هل سيصطفّ اليسار داخل البرلمان في تحالف سياسي موحّد؟ أو هل نحن أمام لحظة جديدة قد تدفع مكونات اليسار إلى إعادة اكتشاف فكرة التحالف داخل البرلمان؟
سؤال يطرح نفسه بقوة، ليس فقط بالنظر إلى نتائج الانتخابات والخريطة البرلمانية الجديدة، وإنما أيضاً بالنظر إلى الحاجة إلى إعادة بناء موقع اليسار داخل المؤسسة التشريعية. فاليسار، رغم تعدد مكوناته واختلاف تجاربه التنظيمية والسياسية، لا يزال يمتلك أرضية مشتركة واسعة في قضايا الدولة الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية والمجالية، والدفاع عن الخدمات العمومية، والحريات والحقوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز دور المؤسسات، وهي قضايا يمكن أن تتحول، إذا توفرت الإرادة السياسية، إلى أساس لعمل برلماني مشترك.
وهنا أستحضر تجربة الكتلة الديمقراطية، التي شكلت محطة بارزة في تاريخ التنسيق بين عدد من القوى السياسية المغربية، عندما استطاعت مكونات مختلفة أن تجد في المشترك السياسي مساحة للعمل الجماعي، رغم اختلاف مرجعياتها وحساباتها. صحيح أن السياق السياسي اليوم مختلف جذرياً عن سياق تأسيس الكتلة، وأن موازين القوى والخريطة الحزبية قد تغيرت، لكن الدرس الذي يمكن استحضاره هو أن الاختلاف بين الأحزاب لا يمنع بالضرورة بناء تحالفات عندما تكون هناك قضايا كبرى تستدعي تنسيق المواقف وتوحيد الجهود.
وقد تكون نقطة قوة أي تحالف يساري محتمل اليوم في قدرته على الجمع بين التنوع السياسي ووحدة الموقف في القضايا المشتركة. فبدل أن تتحول التعددية إلى مصدر لتشتت الصوت اليساري، يمكن أن تصبح مصدر غنى إذا استطاعت مكوناته الاتفاق على حد أدنى سياسي وبرلماني واضح: تنسيق المواقف داخل اللجان، تقديم مبادرات تشريعية مشتركة، توحيد المواقف في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، وممارسة الرقابة على السياسات العمومية بفعالية، مع احتفاظ كل حزب باستقلاليته وهويته.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل تسمح الحسابات السياسية الراهنة بذلك؟ فالمشهد البرلماني لا تحكمه فقط التقاطعات الإيديولوجية، وإنما أيضاً مواقع الأحزاب، وعلاقاتها بالأغلبية والمعارضة، وطبيعة التفاهمات التي قد تنشأ داخل المؤسسة التشريعية. ولذلك فإن بناء تحالف يساري لن يكون مجرد إعلان عن تقارب بين الأحزاب، بل سيكون اختباراً لقدرتها على تجاوز الحسابات الضيقة، وتحويل ما يجمعها إلى ممارسة سياسية وبرلمانية ملموسة.
وفي النهاية، قد لا يكون المطلوب بالضرورة إعادة إنتاج «الكتلة الديمقراطية» بالشكل الذي عرفته في مرحلة سابقة، وإنما التفكير في صيغة جديدة للتحالف تتلاءم مع واقع البرلمان الحالي. صيغة تسمح لليسار بأن يكون متعدداً في تنظيماته، موحداً عندما يتعلق الأمر بالقضايا المشتركة، وقادراً على تحويل حضوره البرلماني إلى قوة اقتراح ومراقبة وترافع. فالمسألة ليست فقط كم مقعداً يمتلكه كل حزب، وإنما كيف يمكن لهذه المقاعد، عندما تتقاطع الإرادات، أن تتحول إلى صوت سياسي أكثر تنسيقاً ووضوحاً داخل البرلمان.






