رأي

مصطفى المنوزي: بين سيكولوجيا المحامي وسوسيولوجيا المحاماة

ثمة بوح مهني يستحق أن يُقرأ أبعد من الانفعال الذي قد يثيره، لأنه يجمع، في لحظة واحدة، بين الإقرار بالهشاشة والمعاناة والتصريح بالتحدي؛ فحين تقول زميلة قديرة إنها لا تتوفر على دخل آخر غير المحاماة، وإنها مسؤولة عن أسرة وبيت ومكتب، وإن شهور التوقف أنهكتها ماديًا وصحيًا ونفسيًا، ثم تضيف، مع ذلك، إنها مستعدة للتخلي عن بعض ممتلكاتها والبدء من الصفر بدل العودة خوفًا من العوز، فإننا نكون أمام شهادة إنسانية قوية لا تنكر الألم كي تثبت الصمود، بل تجعل الاعتراف بالألم جزءًا من معنى الصمود نفسه.


وهذه، في تقديري، إحدى أهم فضائل هذا البوح: إنه يهدم صورة الصامد بوصفه شخصًا محصنًا ضد الخوف والحاجة، ويعيده إلى حقيقته الإنسانية: فاعل هش، ولكنه ما يزال قادرًا على الاختيار. وبالمعنى الريكوري، لا تكمن قوة الذات في كونها لا تتألم، وإنما في قدرتها، وهي تعي ما يصيبها، على أن تقول: رغم ذلك، ما زلت أقدر على الفعل؛ غير أن قوة هذه الشهادة نفسها تفتح بابًا ضروريًا للنقد.


فحين تنتقل التجربة من قول الذات: «أنا أستطيع أن أتحمل» إلى خطاب موجَّه للجماعة مؤداه: «ينبغي أن تتحملوا كما أتحمل»، نكون قد انتقلنا، من حيث لا نشعر، من شهادة على الاقتدار الشخصي إلى افتراض اقتدار جماعي لم يجر قياسه بعد ؛ لذلك فالاستعداد لبيع سيارة أو ممتلكات، أو خفض مستوى العيش، اختيار شخصي يستحق الاحترام ممن يقدر عليه ويختاره بحرية؛ لكنه لا يمكن أن يتحول إلى معيار أخلاقي للصمود، لأن المحامين لا يتساوون في مواردهم، ولا في التزاماتهم الأسرية، ولا في احتياطياتهم المالية، ولا في أوضاعهم الصحية، ولا حتى في قدرتهم النفسية والاجتماعية على احتمال توقف طويل وغير محدد الأفق.


وهنا تحديدًا ينبغي الانتقال من سيكولوجيا المحامي إلى سوسيولوجيا المحاماة؛ فبين سيكولوجيا المحامي وسوسيولوجيا المحاماة تنشأ منطقة ثالثة لا ينبغي إهمالها عند قراءة لحظات الأزمة والاستقطاب المهني. فمن جهة، هناك المحامي الفرد بما يختزنه من قلق وخوف وتردد، وحساب للكلفة، وحاجة إلى الأمان والاعتراف؛ ومن جهة ثانية، هناك الجسم المهني بما ينتجه من تضامن جماعي، وموازين قوى، وشرعيات تنظيمية، وضغط للامتثال، وسرديات للصمود والوحدة.


وبين المستويين يترعرع اتجاه ثالث، هلامي في بنيته، لكنه حاضر في الواقع؛ لا يجد نفسه بالضرورة في منطق المزايدة على الصمود، ولا في منطق المناقصة من قيمة الاحتجاج ؛ غير أن هذا الاتجاه لا يجوز، إبستمولوجيًا، أن نسارع إلى تسميته «الأغلبية الصامتة»؛ لأن الأغلبية واقعة تحتاج إلى قياس، بينما الصمت واقعة تحتاج أولًا إلى تفسير ؛ فالصامت ليس بالضرورة موافقًا، والمتردد ليس بالضرورة معارضًا، ومن لا يتموقع بين خيارين معلنين قد يكون صاحب خيار ثالث، وقد يكون خائفًا أو منهكًا، أو عاجزًا عن تحمل كلفة الإفصاح عن موقفه.


وهنا تكتسب مفاهيم الهشاشة والاقتدار قيمتها التحليلية؛ فالتردد والغموض والخوف ليست مجرد حالات نفسية عابرة؛ وعندما تتكرر وتتسع داخل الجسم المهني، فإنها تنتقل من سيكولوجيا المحامي إلى سوسيولوجيا المحاماة، وتصبح مؤشرات على هشاشة جماعية واختلال في شروط الاقتدار.


والمقصود باعتلال الاقتدار ليس انعدام الإرادة، ولا ضعف الانتماء إلى المهنة، وإنما اختلال المسافة بين ما يريده الفاعل وما يقدر على فعله؛ وبين ما يعتقده وما يستطيع التصريح به؛ وبين استعداده للتضحية وقدرته الواقعية على تحمل كلفتها.


وبالمعنى الريكوري، يصبح السؤال أبعد من: ماذا أريد؟ ليصل إلى السؤال الأكثر اختبارًا للواقع: ما الذي أقدر عليه؟.


فقد يكون المبدأ ثابتًا والإرادة موجودة، بينما تتفاوت القدرة على تحمل كلفة الاستمرار ؛ وقد يكون المحامي مقتنعًا بضرورة الدفاع عن استقلال المهنة، لكنه مختلفًا مع غيره في تقدير الوسيلة أو الزمن أو حدود التضحية. وعندما يصبح التصريح بهذا الاختلاف مكلفًا اجتماعيًا أو رمزيًا، يتحول الصمت نفسه إلى معلومة عن بنية الجماعة ؛ ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم «الاقتدار الهش» لوصف تلك المنطقة الواقعة بين الإرادة والعجز: فالفاعل لم يفقد إرادته، ولكنه لم يعد يمتلك كامل شروط تحويلها إلى قول وفعل واختيار حر ، ولذلك لا يكون افتحاص الهشاشة انتقاصًا من الصمود، بل شرطًا معرفيًا لقياسه؛ لأننا لا نستطيع معرفة اقتدار جماعة مهنية من خلال حماستها المعلنة وحدها، وإنما كذلك من خلال قدرتها الفعلية على الاحتمال والاستمرار والتكيف والمراجعة.


وإن البوح الذي انطلقنا منه يقدم، من هذه الزاوية، مادة سوسيولوجية مهمة بقدر ما يقدم شهادة فردية مؤثرة ؛ فعندما تعترف محامية بأنها تعاني، وتخاف على مستقبل أبنائها، وأن الضغط أنهك صحتها، فإن هذه المعطيات لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها الثمن البطولي الذي يزيد موقفها قوة؛ بل ينبغي أيضًا أن تُقرأ باعتبارها مؤشرات تستوجب مساءلة شروط استدامة الفعل الجماعي نفسه ؛ فإذا كان الصمود يبلغ هذا المقدار من الكلفة لدى من لا يزال قادرًا على إعلان استمراره، فما حال من لا يملك القدرة نفسها على الاحتمال أو التعبير؟.


السؤال هنا ليس تشكيكًا في التضحية، وإنما نقل للنقاش من خانة أخلاقية التضحية الفردية إلى فضاء حوكمة الكلفة الجماعية.


ويترتب عن ذلك تصحيح منهجي آخر: لا يجوز أن تستحوذ الأغلبية المعلنة على تمثيل الجماعة كلها، مثلما لا يجوز للاتجاه النقدي أن يستحوذ بدوره على أصوات الصامتين ؛ فهؤلاء يشكلون، في أحسن الأحوال، كتلة احتمالية غير متموقعة، لا نعرف حجمها ولا اتجاهها إلا عندما تتوفر لها شروط التعبير الحر والآمن ؛ وهنا تستعيد حماية الأقلية معناها الديمقراطي العميق.


فالديمقراطية لا تختزل في حق الأغلبية في اتخاذ القرار، وإنما تشمل كذلك حماية الاختلاف، ومنع القوة العددية أو التنظيمية من احتكار تعريف المصلحة المشتركة، وإبقاء القرار قابلًا للنقد والتعليل والمراجعة ؛ فالأقلية اليوم قد تصبح أغلبية غدًا، والأغلبية نفسها ليست حقيقة أبدية، وإنما تركيب متحرك من القناعات والمصالح والتقديرات ؛ لذلك قد لا يكون السؤال المنتج: من مع الاستمرار ومن ضده؟بل:أين توجد المساحة المشتركة التي يستطيع المختلفون الالتقاء فيها دون أن يضطر أحد منهم إلى التخلي عن المبدأ أو الشعور بالهزيمة؟.


وهنا يظهر مفهوم التجسير ، فالتجسير ليس حلًا وسطًا حسابيًا يقسم المسافة بين موقفين، ولا جبرًا لخواطر التيارات المتعارضة؛ وإنما هو صناعة ممرات آمنة للاختيار: يستطيع عبرها المتردد أن يتكلم، والخائف أن يعبر دون وصم، والمختلف أن يعترض دون أن يُتهم بكسر الوحدة، والأغلبية أن تراجع الوسيلة دون أن تعتبر المراجعة هزيمة، والقيادة أن تغير تقديرها دون أن يُفهم ذلك باعتباره سقوطًا لشرعيتها ، وبذلك يتحول الاتجاه الثالث من كتلة هلامية إلى وظيفة ديمقراطية؛ لا يحتاج إلى أن يصبح معسكرًا ثالثًا ينافس المعسكرين، بل يمكن أن يصبح فضاءً للتجسير بينهما؛ ينقل الجماعة من صراع المواقع إلى اختبار الخيارات، ومن عدّ الأصوات إلى وزن الحجج، ومن شرعية القرار وحدها إلى شرعية القرار المعلل والقابل للتقييم ؛ لأن الخيار العادل ليس بالضرورة موقف الأغلبية ولا موقف الأقلية، ولا هو نقطة المنتصف الآلية ( أي الميكانيكية) بينهما؛ بل هو الخيار الذي يستطيع تقديم تعليل قابل للنقاش، واستيعاب الهشاشة دون الاستسلام لها، والحفاظ على المبدأ دون تأبيد الوسيلة، والصمود أمام اختبار الواقع مع بقائه مفتوحًا على المراجعة.


وهنا يلتقي التجسير مع الانضباط النقدي وإبستمولوجيا الاقتدار ، فبدل أن نسأل فقط: كم عدد المستمرين وكم عدد الراغبين في المراجعة؟ ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا حققنا؟ ماذا نستطيع؟ ما كلفة ما نستطيع؟ وإلى متى نستطيع الاستمرار دون أن تتحول التضحية من أجل المهنة إلى تضحية باقتدار المهنة نفسها؟.


ولذلك أجد في خاتمة ذلك البوح عبارة تستحق أن تتحول من دعاء شخصي إلى قاعدة في تدبير الاختلاف الجماعي: «الثبات من غير عناد، والحكمة من غير ضعف» ؛ فالثبات من غير عناد يعني أن يظل المبدأ محفوظًا، دون أن تتحول الوسيلة إلى عقيدة. والحكمة من غير ضعف تعني أن تظل المراجعة ممكنة، دون أن تُفهم بوصفها تراجعًا أو استسلامًا ؛ وعندئذ يصبح الممر الثالث ليس طريقًا للانسحاب من الصراع، بل طريقًا لإخراجه من حلقة الاستقطاب إلى سلسلة العقلانية العملية: مبدأ محفوظ، وهشاشة معترف بها، واقتدار مفتوح على القياس، ووسيلة قابلة للمراجعة، وقرار معلل، وكرامة جماعية لا يحتاج إثباتها إلى أن يخرج أحد غالبًا والآخر مغلوبًا ؛ فلنجرب تعليق التوقف مؤقتا وفي ذلك استرداد للأنفاس وتجاوز مأزق الانحسار والهشاشة ! .


المقال المقبل : في نقد فوبيا الانشقاق وعقدة تشفي الخصوم