رأي

عبد الكريم جويطي: خوان غويتيسولو وقضية سبتة

​عشت أحداث سبتة المحتلة، كما عاشها المغاربة، بكثير من الحزن والقلق، بل بإحساس بالعار، والبلد يرى أبناءه يفرون منه، ويصير لقمة سائغة في أشداق منابر ومواقع وبلاطوهات العداء والاستعلاء والعنصرية. فكرت في كتابة تدوينة وترددت كثيراً، ماذا سأضيف لما كتب وقيل؟ وماذا سأضيف لما كتبته شخصيا منذ أزيد من ربع قرن حول تعقيد ظاهرة الهجرة، وتحولها في مناطق تكاد تنعدم فيها الخيارات المستقبلية لمتخيل أوحد للخلاص والنجاة، حتى إن بعض الأطر الكبيرة والمرفهة من مهندسين وأطباء وموظفين سامين، ولأنهم في مناخ من انعدام الثقة في البلد ساهموا في صنعه، صاروا يبرمجون ولادة أطفالهم في كندا وغيرها، ليضمنوا لهم مكاناً آمناً في جنات الغرب.


كيف وصلنا إلى ما رأيناه جميعاً؟ لا شك أن الفشل الذريع للمدرسة، خصوصاً عجزها عن بناء آصرة وثيقة بالمكان، وتعثرات التنمية، وانعدام العدالة المجالية، واستشراء الفساد، وتفريغ البرامج الاجتماعية والاقتصادية من نبلها وأهدافها، وابتلاء البلد بأضعف وأسوء قيادات حزبية منذ الاستقلال، فهي لم تترك السياسة، كما كانت في معظم مناطق المغرب، شأناً قبليا، بل حولتها لأحط من ذلك، فجعلتها شأناً أسرياً، وتضخم ثقافة النقد التي سرعان ما تتحول إلى نزوع مزمن للتبخيس والتيئيس، والخصاص المهول في الرهانات السياسية الجماعية الموحدة التي تخلق الحلم والأمل والثقة المشتركة بين الناس، وتجعلهم يصبرون ويتحملون في انتظار غد موعود.


لا شك أن كل هذه العوامل وغيرها خلقت إغراء الهجرة الكاسح هذا في قلب كل واحد سدت في وجهه السبل أو خاف أو حلم أو يئس. منذ الساعات الأولى الصادمة لأحداث سبتة، وأنا أتساءل كيف لهذا البلد الذي حقق إنجازات مدهشة في البنيات التحتية، فأينما وليت وجهك فيه ترى أوراشاً كبرى تنجز بأيد مغربية وبكفاءة ودقة، كيف له وأنت ترى مظاهر الغنى في السيارات، اللباس، الاستهلاك، السكن، وتسمع مؤشراته الاقتصادية التي تشير لتحوله إلى أحد البلدان الصاعدة، كيف لهذا البلد الذي لم يعد يجد فيه الفلاحون عمالاً يساعدونهم، ولم يعد يجد الحرفيون فيه من يريد أن يعمل معهم ويتعلم الحرفة، وصار الكل فيه يتشكى من خصاص اليد العاملة، حتى إن الكثيرين لم يجنوا حقول الزيتون، كما عاينت ذلك بالقرب من منزلي في البادية، لأن لا أحد صار يرضى بمزاولة ذلك العمل، كُثُرٌ بيننا صاروا يحتقرون المهن والعمل اليدوي، ويحلمون بالهجرة وتلك العودة المظفرة بسيارة ممتلئة بالحقائب.


خوان غويتيسولو رفقة والد عبدالكريم الجويطي في بيت العائلة

كيف لهذا البلد الآمن، المستقر الذي عزز مكانته بين الدول، أن يخرج منه الآلاف راجلين في الطرقات، شبه مسرنمين، لا تهمهم الأخطار، فأعينهم مأخوذة بذلك الذهب الزائف الذي يتلألأ أمامهم في الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. لم أجد جواباً، لكنني كنت أفكر باستمرار في خوان غويتيسولو، وأنا أتابع ردود أفعال الإسبان، ولا تفارق ذهني صورته في مثل هذه الحالات وهو يتفجع، ويرسم في تقاسيم وجهه تعبير الأسى الممزوج بالحنق، صورته وهو يغمض عينيه ويرفع يديه دلالة العجز، ثم تفتر شفتاه عن تلك الابتسامة الماكرة لمن لم يعد يدهشه شيء في هذا العالم الذي يقوده التافهون، ويصير فيه البترول أثمن من الدم، وتَحْكُمُ فيه شريعة القوي السافلة، وتعاود فيه القيم المتعفنة للنقاء العرقي والتفوق الحضاري والمركزية الغربية الازدهار من جديد لصناعة كوارث إنسانية جديدة.


لو بقي خوان حيا لما اندهش لسعار الإسبان، يميناً ويساراً، بعد أحداث سبتة المحتلة. لقد خبر شخصياً الطبع الانفجاري للإسباني حين يستثار، فيتحول إلى ثور هائج، يريد أن ينطح كل ما يقف أمامه. هذا الطبع الذي نسجت جذوره كنيسة متزمتة، ما زالت تعيش حروب الاسترداد، وديكتاتورية عسكرية لم تتورع عن ارتكاب المذابح سواء ضد الإسبان المخالفين أو ضد المستعمرين (الشيوعيون وأهل الريف)، ووطنية جريحة مهددة دوماً بالانفصال والانقسام، عاشت المنافي والفقر المدقع، ثم اكتشف الإسبان في عقود قليلة أنهم صاروا أغنياء جدداً، أحراراً جدداً، وأوروبيين جدداً. وكما يحدث لمحدث النعمة في التاريخ، فإنه سيتصرف بصلافة وتعالٍ مع من يذكره بماضيه، وما كان عليه، وسيتصرف بخوف عصابي تجاه كل من يتوهم بأنه سيعيده إلى ماضيه الأليم. إسبانيا هذه، العصابية، فاقدة الرؤية والبصيرة، التي تنحط في لمح بصر من أمة إلى قبيلة جموحة، فتُخْرِجُ بالوعة من الشتائم والنزق والمزايدات الفارغة. إسبانيا هذه التي: «تسود [فيها] الهستيريا والتعصب الأعمى ونزعة الإيذاء»، والتي: «سرعان ما يتحول فيها الجميع إلى جنود ينظرون إلى أمارات الاختلاف كسلوكات فوضوية جديرة بالعقاب..» (رواية أسابيع الحديقة)، هي التي خبرها خوان جيداً، وصار كاتباً مصفحاً في مواجهتها، وقاومها بكل ما أوتي في كتاباته الأدبية والفكرية، حتى أنها جعلت منه: إسبانيا على الرغم منه، أو إسبانيا على مضض على حد تعبير الشاعر العظيم سيرنودا.


​هاجم خوان بلا هوادة إسبانيا التي تكره نفسها، إسبانيا المعذبة بفكرة أنها لوثت وإلى الأبد من قبل غزو المورو، وفي سعيها لفرض رؤية أحادية وأسطورية للتاريخ ومجرياته، حاولت أن تقدم تصورا متوهما لهوية إسبانية طاهرة لم تشبها شائبة من ثمانية قرون من التواجد العربي الإسلامي، ومن الاختلاط والتلاقح، ثمانية قرون تصير لا شيء في تصور دعاة هوية متعالية، نجحت في أن تطفو فوق أمواج التاريخ واضطراباته، رغم أن اللغة التي يتحدث بها دعاة الطهرانية الإسبانية، فيها، كما أثبت ذلك المؤرخ أمريكو كاسترو، آلاف الكلمات المتحدرة من العربية. إسبانيا هذه، الكارهة للتاريخ الفعلي، والمنقادة لتاريخ كتبته الكنيسة بالمذابح ومحاكم التفتيش والطرد الجماعي، هي من تجتر خوفاً مرضياً من المورو، خوف ينتظر في كل مرة حدثاً ليخرج كل أحقاده وهلوساته ومسبقاته. ظهر ذلك في أحداث إلخيديو في فبراير 2007، بحيث خرب وأحرق بعض الإسبان منازل المهاجرين، ومحلاتهم التجارية، ومساجدهم، وأكواخهم البلاستيكية، وجريمة محطة شامارتين حيث قتل المغربي عبد الله عروش من طرف الشرطة لأنه رفع رجله وهو جالس في كرسي من كراسي المحطة، وفي الاستعراض الفج للقوة في جزيرة ليلى سنة 2002 أمام ثمانية عناصر من القوات المساعدة غير مسلحين. كل هذه الأحداث كتب عنها خوان، وفضح الروح المتعفنة الثاوية خلفها، بل إنه كان يصر في كل مرة يقع فيها حدث أليم ضد المهاجرين المغاربة، على تذكير الإسبان بأن أعظم ما يعتزون به ما كان ليتحقق لولا هؤلاء الذين يحتقرونهم اليوم، لولا التأثير العربي الإسلامي في اللغة والخيال والصنعة الإسبانيين ما عرف بالأسلوب المدجن (المودخار)، ولولا المورو لما كتب نص دونكيشوت لسرفانتيس، ولما كان كتاب “الحب الطيب” لخوان رويث، ولا “لثيليستينا” لفرناندو دي روخاس، ولما كتب لويس دي غونغورا شعره المتأنق بلاغياً، والذي حاكى فيه الموشحات، ولما كان معمار غاودي الذي يستلهم التراث الأندلسي مثيراً ومذهلاً، بل إن ابن ملقا، بيكاسو، تأثر بالقدرات التجريدية للخط العربي، وبالمنمنمات العربية في توزيع الأشكال، وحتى أستعمل استعارة عزيزة جداً على خوان: للمورو نصيب كبير في شجرة الحضارة الإسبانية، وما أوراقها اليانعة، وثمارها الناضجة، إلا تتويج لتلك الجذور، ولذلك الجذع، ولتلك الأغصان التي امتزج فيها الدمان والمصيران معاً.


​جاهَرَ خوان، دوماً، بانحيازه للمصالح المغربية، وكان يرى بأن في عنق إسبانيا دين فادح نحو المغرب، إذ ساهمت النزعة الاستعمارية الإسبانية، ومنذ حرب تطوان 1859 – 1860، في إضعاف الدولة المغربية، وتقطيع أوصالها بعد ذلك بالتعاون مع فرنسا. ناصر خوان مغربية الصحراء، وطالب بعودة سبتة ومليلية وكافة الجزر للسيادة المغربية. على إسبانيا الديمقراطية أن تكون شجاعة، وأن تقطع مع الإرث الاستعماري.


​وتخطئ القوى السياسية الإسبانية كثيراً إن راهنت على القوة، أو الوقت، أو على انشغال المغرب بقضايا أخرى، أكثر إلحاحية، فمعظم المغاربة يرون استمرار الاحتلال الإسباني إهانة لهم، ولتاريخهم، والحذر كل الحذر من الاستهانة بأمة يقف بجانبها التاريخ. لو بقي خوان حيا لسخر من اليسار الإسباني بالذات، وهو يندد بالاستعمار في أمكنة أخرى من العالم، ويعطي الدروس للآخرين في هذا المجال، وحين يتعلق الأمر بالاستعمار الإسباني يغرق في فصامه، وضيق أفقه وقابليته للخضوع للابتزاز اليميني، وينبري هو الآخر للدفاع عن الاستعمار ومحاولة تأبيده.