مجتمع وحوداث

لا شيء يتغير هنا..

أحمد الطاهري (كاتب صحفي)

هي الأصباح ذاتها.. الأصباح المكرورة للمدينة الكسيحة.. أصباح المرارة والتعب..

بائع الإسفنج ـ الكهل المرتعش اليدين ـ، وهو يلقي دوائر عجينه في المقلاة الهرمة، كقطع نرد..

سيارات الأجرة وهي تلفظ عند الفلق "بائعات هوى"، نخرهن الوقت قبل الوقت بكثير..

المشردون يفترشون قطع الكارطون في زوايا الطرق، ويدارون بأسمال رثة بردا قديما..

الطيور تزاحم أسراب الحمام على البذور المنثورة بالشارع، فيما اللقالق تتشاجر بضراوة فوق حاويات النفايات..

لا شيء يتغير هنا..

ملابس نساء وأطفال باهتة تركت معلقة فوق حبل غسيل مربوط خارج نافذة بيت ـ قبو..

الهرولة ذاتها لذوات منكسرة نحو الكسب الضئيل..

العجائز يتأهبن لعرض أكياس الخضار المقطع على الأرصفة..

الكؤوس والصحون والكراسي والموائد الموضبة بمداخل خيم العزاء البيضاء المنصوبة في أكثر من درب بالحارة..

كل شيء يظل على حاله هنا، سوى هذا الشعور المتصاعد بالدبيب الفاتك.. دبيب الموت المتغلغل المتنامي.. الموت الذي يوجع الأحياء لا الموتى..

لا شيء يتغير هنا.. فخفف الوطء، إذن، أنت المأخوذ بالمشهد الدامع كله.. أنت المسربل بالطعنات.. المثقل بالخيبات.. السارح الشارد في الغياب...