قضايا

مغاربة سبتة ومليلية المحتلتين وعلاقتهم بالدولة المغربية.. إشكالية الانتماء والهوية والاهتمام.. بين المواطنة والحدود والذاكرة

مصطفى الغاشي (أستاذ التعليم العالي)
تقديم: مواطنون مغاربة خارج المجال الترابي للدولة؟


تمثل سبتة ومليلية المحتلتين حالة استثنائية في تاريخ العلاقات المغربية–الإسبانية، ليس فقط بسبب النزاع حول السيادة، وإنما لأن المدينتين تحتضنان جماعات بشرية ذات أصول مغربية، أو روابط عائلية وثقافية ودينية واقتصادية وثيقة بالمغرب. ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز الجغرافيا والسياسة الخارجية إلى صميم مفهوم الدولة والمواطنة والهوية: فكيف تنظر الدولة المغربية إلى مغاربة سبتة ومليلية؟ وكيف ينظر هؤلاء إلى الدولة المغربية؟ وهل يكفي الانتماء التاريخي والثقافي لإنتاج شعور سياسي متماسك بالانتماء؟


إن الإشكال هنا لا يتعلق فقط بوجود «مغاربة» في مدينتين خاضعتين للإدارة الإسبانية، بل يتعلق بتعدد مستويات الانتماء، فالفرد يمكن أن يكون مرتبطاً بالمغرب عائلياً وثقافياً ودينياً، وفي نفس الوقت يعيش ضمن مؤسسات قانونية وإدارية وتعليمية واقتصادية إسبانية.


وبذلك تصبح سبتة ومليلية مختبراً مهماً لدراسة العلاقة بين الدولة والهوية والمواطنة والحدود.


أولاً: الانتماء المغربي بين الجغرافيا والذاكرة،


لقد ظل المغرب، تاريخياً، ينظر إلى سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارهما جزءاً من المجال الترابي المغربي الذي تعرض للتجزئة خلال المرحلة الاستعمارية، لكن الانتماء لا يصنعه التاريخ وحده. فالهوية الجماعية تتشكل أيضاً عبر الأسرة، واللغة، والدين، والعادات، والذاكرة، وشبكات المصاهرة والتجارة والتنقل. ولذلك فإن جزءاً من سكان المدينتين ذوي الأصول المغربية يحملون ارتباطاً بالمغرب يتجاوز مسألة الجنسية بالمعنى القانوني.


ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أنواع من الانتماء:


1. الانتماء الترابي، وهو الارتباط بالمجال الذي تعتبره الذاكرة السياسية والتاريخية مجالاً مغربياً.


2. الانتماء الثقافي، ويظهر في اللغة والعادات والدين والروابط الأسرية والذاكرة الاجتماعية.


3. الانتماء السياسي والقانوني، وهو الأكثر تعقيداً، لأنه يرتبط بالجنسية وبالدولة التي توفر الحقوق والخدمات والحماية القانونية والمؤسسات.


ان هذه المستويات لا تتحرك بالضرورة في نفس الاتجاه.


ثانياً: الهوية المغربية في سبتة ومليلية المحتلتين،


 تكمن خصوصية المدينتين في أن الهوية المغربية لا تختفي بمجرد انتقال الفرد إلى فضاء سياسي وإداري إسباني. بل قد تتحول الهوية إلى هوية مزدوجة أو مركبة، فالفرد قد يكون:


مغربياً من حيث الأصل العائلي؛ مرتبطاً بالمغرب ثقافياً ودينياً؛ إسبانياً من حيث الجنسية أو الإقامة القانونية؛


ومندمجاً في المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والإدارية الإسبانية. وهذا يقودنا إلى تجاوز التصور التقليدي للهوية باعتبارها اختياراً بين «مغرب» و«إسبانيا». فالواقع الاجتماعي أكثر تعقيداً. لذلك فإن سؤال الهوية في سبتة ومليلية هو في الحقيقة سؤال:


كيف يمكن للفرد أن ينتمي إلى فضاءين في الوقت نفسه دون أن يرى في ذلك تناقضاً؟ ومن هنا يمكن الحديث عن الهوية الحدودية؛ أي هوية تتشكل في منطقة تماس بين دولتين وثقافتين واقتصادين وذاكرتين.


ثالثاً: الدولة المغربية ومغاربة سبتة ومليلية المحتلتين،


وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية. فالدولة المغربية لا تستطيع التعامل مع سكان المدينتين فقط باعتبارهم جزءاً من ملف السيادة الوطنية، لأنهم في الوقت نفسه جماعات بشرية لها مصالح يومية ومطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية، وبالتالي فإن أي سياسة مغربية تجاه سبتة ومليلية ينبغي أن تجمع بين مستويين: الأول: السيادة والوحدة الترابية، وهو مستوى المرتبط بالموقف السياسي المغربي من وضع المدينتين. الثاني: الإنسان والمجتمع. وهو ما يعني الاهتمام بالأفراد والأسر والروابط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تصل المدينتين بالمغرب. ومن هنا يصبح السؤال ألاكثر إحراجاً، هل ينظر المغرب إلى سكان سبتة ومليلية بوصفهم مجرد جزء من قضية السيادة، أم بوصفهم أيضاً مواطنين أو جماعة بشرية لها حقوق ومصالح واحتياجات ينبغي أن تكون لها مكانة في السياسة العمومية المغربية؟


رابعاً: من «قضية وطنية» إلى «قضية مواطنين»،


وفي هذا المقام، ربما يكون أحد أهم التحولات المطلوبة هو الانتقال من مقاربة سبتة ومليلية باعتبارهما «قضية ترابية» فقط إلى مقاربة أكثر شمولاً تعتبرهما أيضاً «قضية إنسانية ومجتمعية». فالقضية الترابية قد تُدار عبر الدبلوماسية والسياسة الخارجية، أما قضية السكان فتحتاج إلى التواصل؛ الثقافة؛ التعليم؛ البحث العلمي؛


الإعلام؛ العلاقات الاجتماعية؛ حماية الذاكرة؛ فهم التحولات الديموغرافية؛ ومتابعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. لذلك فإن الدولة التي تريد الدفاع عن ارتباط جماعة بشرية بها تحتاج إلى أن تجعل هذه الجماعة تشعر بأن الدولة تراها وتسمعها وتهتم بها..


ان الانتماء لا ينتج فقط من الخطاب السياسي، وإنما يتغذى من الإحساس بأن هناك دولة تهتم بك.


خامساً: إشكالية «الاهتمام» المغربي،


قد يكون الفرد مرتبطاً بالمغرب وجدانياً، لكنه قد يطرح في الوقت نفسه سؤالاً عملياً لكنه بالغ الاهمية، وهو ماذا يقدم لي المغرب؟ فالهوية التي لا تجد ترجمة في التواصل والمؤسسات والثقافة والتعليم والمصالح اليومية يمكن أن تتحول تدريجياً إلى مجرد ذاكرة عائلية. ومن هنا فإن قوة الارتباط بالمغرب لا تقاس فقط بعدد من يحملون أسماء مغربية أو يتحدثون العربية أو الأمازيغية أو يرتبطون بعائلات في المغرب، بل تقاس أيضاً بمدى استمرار الشعور بالانتماء عبر الأجيال. وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكالات المستقبلية: فإذا كان الجيل الأول يحتفظ بذاكرة قوية تجاه المغرب، فماذا يحدث لدى الجيل الثاني والثالث والرابع؟ هل تنتقل الذاكرة بصورة تلقائية؟ أم تحتاج إلى مؤسسات وبرامج وسياسات للحفاظ عليها؟


سادساً: الجيل الجديد ومعركة الهوية،


 ربما يكون الشباب الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فالجيل الجديد في سبتة ومليلية يعيش داخل منظومة تعليمية وإعلامية وإدارية إسبانية، ويستهلك الثقافة الرقمية العالمية، ويتعامل يومياً مع مؤسسات الدولة الإسبانية.


وفي نفس الوقت، قد يحتفظ بروابط عائلية وثقافية ودينية مع المغرب. وهذا يعني أن الهوية المغربية بالنسبة إلى بعض هؤلاء الشباب قد تنتقل من كونها هوية سياسية مباشرة إلى كونها هوية ثقافية وعائلية وذاكرة جماعية. فهل يملك المغرب سياسة ثقافية وتواصلية قادرة على مخاطبة هذا الجيل الجديد؟فالدولة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تصل إلى المواطن فقط عبر القنوات الرسمية، بل أصبحت المنافسة على الذاكرة والهوية تجري في:


المدرسة؛ الإعلام؛ وسائل التواصل الاجتماعي؛ الثقافة الشعبية؛ السينما؛ الرياضة؛ اللغة؛ والفضاء الرقمي.


سابعاً: الحدود لا تفصل الجغرافيا فقط،


 تقدم سبتة ومليلية مثالاً واضحاً على أن الحدود الحديثة لا تمنع بالضرورة استمرار العلاقات الاجتماعية. فقد تكون الحدود السياسية واضحة، بينما تبقى الحدود الاجتماعية والثقافية أكثر مرونة. فالعائلات، التجارة، المصاهرة، الزيارات، اللغة، الدين، الذاكرة، وحتى الممارسات اليومية، كلها يمكن أن تتجاوز الحدود السياسية. وهذا ما يجعل المدينتين جزءاً من فضاء حدودي مغربي–إسباني مركب. ومن هنا ياتي مفهوم:


«المواطنة عبر الحدود»، وهو مفهوم يسمح بدراسة العلاقة بين الفرد والدولة عندما تكون الروابط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية أوسع من المجال الترابي للدولة نفسها.


ثامناً: هل الانتماء مسألة قانونية أم شعور؟


 ففي التصور التقليدي، الانتماء يرتبط بالجنسية. لكن علم الاجتماع السياسي يبين أن الإنسان يمكن أن يحمل أكثر من دائرة انتماء. فقد يكون مواطناً إسبانياً قانونياً، ومغربياً ثقافياً، وشمالياً متوسطياً اجتماعياً، وأوروبياً اقتصادياً. ولا توجد ضرورة منطقية تلغي دائرةٌ الأخرى. وهذا يفرض على الدولة المغربية تطوير مفهوم أكثر مرونة للانتماء.


فالرهان ليس بالضرورة أن تجعل سكان سبتة ومليلية يختارون بين هويتين، وإنما أن تحافظ على قوة الرابط المغربي داخل الهوية المركبة.


تاسعاً: المغرب وإسبانيا... من صراع السيادة إلى إدارة الذاكرة،


ان قضية سبتة ومليلية تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، إنها أيضاً صراع على الذاكرة.


فالمغرب يمتلك رواية تاريخية حول المدينتين، بينما تمتلك إسبانيا رواية تاريخية وسياسية مختلفة. وفي مثل هذه الحالات تصبح الذاكرة أداة من أدوات السياسة.


لكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجانب المغربي هو:


هل يمتلك المغرب استراتيجية علمية ومؤسساتية لدراسة ذاكرة سبتة ومليلية وسكانهما؟ وهنا تبرز الحاجة إلى برامج بحثية جامعية متخصصة في: تاريخ سبتة ومليلية؛ التحولات الديموغرافية؛ الهوية والذاكرة؛


العلاقات المغربية–الإسبانية؛ المجتمع الحدودي؛


الاقتصاد الحدودي؛ الهجرة والتنقل؛ والسياسات الثقافية.


عاشراً: نحو سياسة مغربية جديدة تجاه مغاربة سبتة ومليلية،


ان هناك ضرورة لانتقال السياسة المغربية من «سياسة المطالبة» إلى «سياسة المطالبة والاحتضان».


أي الجمع بين:


أولاً، الدفاع عن الحقوق والسيادة الوطنية.


ثانياً، بناء سياسة إنسانية وثقافية تجاه السكان ذوي الارتباط المغربي.


ثالثاً، إنشاء قنوات مؤسساتية للحوار والتواصل.


رابعاً، دعم البحث العلمي حول المجتمعين المحليين.


خامساً، تطوير برامج ثقافية وتعليمية موجهة للأجيال الجديدة.


سادساً، الاستثمار في الدبلوماسية الثقافية والإعلامية.


سابعاً، دراسة حاجات السكان بعيداً عن التوظيف السياسي الظرفي.


فالسياسة الذكية لا تنتظر لحظة الأزمة لكي تتذكر سبتة ومليلية، بل تبني علاقة مستمرة وطويلة المدى.


حادي عشر: سبتة ومليلية كاختبار للدولة المغربية،


انه بالامكان النظر إلى المدينتين باعتبارهما اختباراً لثلاثة مفاهيم أساسية:


1. اختبار مفهوم السيادة، هل يمكن للدولة أن تحافظ على قضية ترابية تاريخية عبر سياسة طويلة النفس تتجاوز ردود الفعل؟


2. اختبار مفهوم المواطنة، كيف تتعامل الدولة مع جماعات بشرية مرتبطة بها ثقافياً وتاريخياً لكنها توجد خارج سيادتها الترابية المباشرة؟


3. اختبار مفهوم الهوية، هل الهوية المغربية قادرة على الاستمرار خارج الحدود السياسية للمغرب؟


ان الجواب عن هذه الأسئلة لن يتحدد بالشعارات، وإنما بقدرة المؤسسات المغربية على جعل الارتباط بالمغرب حياً وفاعلاً ومفيداً وذا معنى بالنسبة إلى الأجيال الجديدة.


في الختام:


 من «الانتماء الموروث» إلى «الانتماء المتجدد»، إن مستقبل علاقة مغاربة سبتة ومليلية بالدولة المغربية لن يتحدد فقط بما تقوله الوثائق التاريخية، ولا بما تردده الخطابات السياسية، وإنما بما تستطيع الدولة والمجتمع المغربيين أن يبنيا من روابط إنسانية وثقافية ومؤسساتية. فالتاريخ يمكن أن يؤسس للانتماء، لكنه لا يستطيع وحده أن يحافظ عليه. والهوية يمكن أن تنتقل من الآباء إلى الأبناء، لكنها تحتاج إلى مؤسسات وذاكرة وثقافة. أما الاهتمام، فهو ربما العنصر الأكثر حسماً، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: «هل سبتة ومليلية مغربيتان؟» وإنما: «كيف يحافظ المغرب على شعور سكانهما ذوي الارتباط المغربي بأن المغرب يعني لهم شيئاً في حياتهم وحاضرهم ومستقبلهم؟»