ليس أصعب على المجتمع من أن يكتشف أن كثرة مؤسساته لا تعني بالضرورة قوة حضوره، وأن تعدد الأحزاب والجمعيات لا يؤدي تلقائياً إلى تعدد حقيقي في مراكز التأثير، فقد يكون المشهد ممتلئاً بالتنظيمات، والبيانات، والأنشطة، والمؤتمرات، والانتخابات، بينما يبقى المواطن في النهاية يشعر بأن المسافة بينه وبين صناعة القرار لم تتغير كثيراً.
وهنا تطرح مسألة تتجاوز النقاش التقليدي حول إصلاح الأحزاب أو تجديد المجتمع المدني، هل الخلل في المؤسسات نفسها، أم في الثقافة السياسية والمدنية التي تنتج هذه المؤسسات وتعيد إنتاجها٠
ربما يكون الخطأ في وضع السؤال بهذه الثنائية أصلاً، لأن المؤسسة والثقافة وجهان لأزمة واحدة، فالمؤسسة لا تعمل في فراغ، وإنما تتحرك داخل ثقافة معينة، والثقافة بدورها تتشكل من خلال المؤسسات والممارسات اليومية، فإذا كانت الأحزاب تمارس الديمقراطية داخلياً بصورة محدودة، فمن الصعب أن تنتج ثقافة ديمقراطية راسخة في المجتمع، وإذا كانت بعض الجمعيات تقوم على شخصنة القرار والزعامة الدائمة، فمن الصعب أن تقدم نفسها باعتبارها مدرسة للمواطنة والمشاركة،لهذا فإن إصلاح القوانين والهياكل وحده لن يكون كافياً.
لقد أثبتت التجربة أن بإمكاننا تغيير الأنظمة الأساسية، وإعادة ترتيب الهياكل، وتأسيس جمعيات جديدة، وتغيير أسماء الأحزاب، وإطلاق مبادرات متعددة، لكننا قد نعيد إنتاج الممارسات نفسها إذا بقيت الثقافة التي تحكم العلاقة بالسلطة والقيادة والاختلاف والمصلحة العامة على حالها،المشكلة إذن ليست في غياب المؤسسات، وإنما في نوعية الثقافة التي تسكن هذه المؤسسات٠
نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة ترى الحزب باعتباره وسيلة للوصول إلى موقع سياسي، إلى ثقافة تعتبره مؤسسة لإنتاج الأفكار والبرامج والقيادات، ومن ثقافة ترى الجمعية مجالاً للزعامة الشخصية، إلى جمعية تعتبر نفسها فضاءً لتكوين المواطن وتنظيم المصالح والدفاع عن القضايا العامة،فالسياسة لا تبدأ يوم الانتخابات وتنتهي يوم إعلان النتائج، السياسة تبدأ من قدرة المواطن على التعبير والتنظيم والمناقشة والمساءلة، ومن قدرة الأحزاب على تحويل مطالب المجتمع إلى مشاريع قابلة للتنفيذ٠
وعندما يغيب هذا الدور، تتحول السياسة إلى موسم، ويتحول المواطن إلى ناخب مؤقت، وتتحول الأحزاب إلى آلات انتخابية، وتتحول العلاقة بين السياسي والمجتمع إلى علاقة ظرفية تحكمها الحاجة الانتخابية٠
وهنا يمكن فهم جانب من حالة النفور السياسي التي نشهدها، المواطن الذي لا يجد في الحزب فضاءً للاستماع والمشاركة، ولا يرى في النخب السياسية نموذجاً مقنعاً، ولا يلمس أثراً مباشراً لبرامجها، يبدأ تدريجياً في فقدان الثقة في السياسة كوسيلة للتغيير،وعندما تفقد السياسة قدرتها على الإقناع، لا تختفي المطالب الاجتماعية، بل تبحث عن قنوات أخرى٠
تنتقل إلى الشارع، أو إلى شبكات التواصل الاجتماعي، أو إلى الاحتجاجات الرقمية، أو إلى أشكال جديدة من التعبير لم تعد الأحزاب التقليدية قادرة دائماً على استيعابها٠
وهنا تظهر مفارقة جيل جديد شباب أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة والتعبير عن الرأي، لكنه أقل ارتباطاً بالتنظيمات السياسية التقليدية،ليس لأنه غير مهتم بالشأن العام بالضرورة، وإنما لأن كثيراً من المؤسسات لم تعد تتحدث معه باللغة التي يفهم بها عالمه، ولم تعد تقدم له دائماً مساحة حقيقية للمشاركة وصناعة القرار.
الأمر نفسه ينطبق على المجتمع المدني٠
لا يمكن اختزال المجتمع المدني في عدد الجمعيات المسجلة، لأن الجمعية ليست غاية في حد ذاتها، قيمتها تقاس بما تنتجه من مواطنة، وما تحدثه من أثر، وما تضيفه إلى النقاش العمومي، وما تقدمه من حلول، وما تمارسه من رقابة، وما تنتجه من قيادات جديدة،وهنا ينبغي أن نكون أكثر جرأة في نقد بعض الممارسات داخل المجال الجمعوي٠
فثقافة الشيخ والمريد ليست مجرد ظاهرة مرتبطة بأشخاص بعينهم، وإنما هي انعكاس لثقافة سياسية أعمق تجعل القيادة امتيازاً شخصياً بدل أن تكون وظيفة مؤسساتية مؤقتة٠
عندما يصبح رئيس الجمعية هو المؤسس والمقرر والممثل والمتحدث والمفاوض، وعندما تختزل الجمعية في صورته وعلاقاته وشبكة معارفه، فإننا لا نكون قد بنينا مؤسسة مدنية بالمعنى الكامل، وإنما بنينا تنظيماً يدور حول فرد٠
والأخطر أن هذه الممارسة قد تستمر سنوات طويلة دون أن يطرح أحد السؤال البسيط، أين التداول؟ أين تجديد القيادة؟ أين التقييم؟ أين المساءلة الداخلية؟ وأين الجيل الذي سيأتي بعد المؤسسين؟
إن المجتمع المدني الذي لا يمارس الديمقراطية داخله لن يستطيع أن يكون مدرسة حقيقية للديمقراطية خارجه،
والأمر ذاته ينطبق على الأحزاب، فالحزب الذي يطالب بالديمقراطية في الدولة بينما لا يمارسها في تنظيمه الداخلي يرسل رسالة متناقضة إلى المواطن، والحزب الذي يتحدث عن تداول السلطة ثم يعجز عن تداول القيادة داخله يواجه مشكلة في المصداقية قبل أن يواجه مشكلة في الانتخابات،لذلك، فإن تجديد النخب ليس ترفاً تنظيمياً، بل شرط من شروط تجديد السياسة نفسها٠
نحتاج إلى قيادات جديدة، لكننا نحتاج أكثر إلى مؤسسات قادرة على إنتاج هذه القيادات، نحتاج إلى شباب لا يكون دوره التصفيق للزعيم أو ملء الصفوف في المؤتمرات والانتخابات، بل المشاركة في صياغة القرار وتحمل المسؤولية وممارسة النقد،نحتاج أيضاً إلى أن نعيد تعريف مفهوم القيادة٠
القائد الحقيقي ليس من يظل في موقعه أطول مدة ممكنة، وإنما من يستطيع أن يبني مؤسسة تستطيع الاستمرار بعده، وليس من يحيط نفسه بالمريدين، وإنما من يصنع مواطنين مستقلين قادرين على الاختلاف معه،وهنا تحديداً تبدأ المعركة الحقيقية من أجل الديمقراطية٠
الديمقراطية ليست فقط صناديق اقتراع، إنها أيضاً ثقافة داخل الأسرة والمدرسة والحزب والجمعية والنقابة والجامعة والإدارة، إنها طريقة في التعامل مع الاختلاف، وفي توزيع المسؤوليات، وفي قبول النقد، وفي الاعتراف بحق الآخر في أن يقود٠ومن دون هذه الثقافة، يمكن أن تصبح المؤسسات الديمقراطية مجرد هياكل حديثة تحمل داخلها عقليات قديمة٠
لكن إصلاح الثقافة لا يعني إعفاء المؤسسات من مسؤوليتها، على العكس، فالمؤسسات مطالبة بأن تكون أول مختبر للتغيير،إذا أردنا حزباً ديمقراطياً، فلنبدأ من ديمقراطيته الداخلية،إذا أردنا مجتمعاً مدنياً مستقلاً، فلنبدأ باستقلالية الجمعيات وشفافيتها،إذا أردنا شباباً مشاركاً، فلنمنحه مواقع حقيقية في القرار،إذا أردنا مواطناً مسؤولاً، فلنوقف التعامل معه باعتباره مجرد ناخب أو مستفيد أو جمهور،وإذا أردنا دولة قوية، فعلينا ألا نخشى من مجتمع قوي٠
فهذه نقطة أساسية كثيراً ما يساء فهمها، قوة المجتمع لا تعني ضعف الدولة، كما أن قوة الدولة لا ينبغي أن تعني ضعف المجتمع،الدولة الحديثة تحتاج إلى مجتمع قادر على المساهمة والنقد والاقتراح، لأن الدولة لا تستطيع وحدها أن تنتج كل الحلول، كما أن المجتمع لا يستطيع وحده أن يدير الدولة.
المعادلة الصحية هي أن تكون الدولة قوية في مؤسساتها، والأحزاب قوية في برامجها، والمجتمع المدني قوياً في استقلاليته، والمواطن قوياً في وعيه وحقوقه ومسؤوليته٠
أما إذا ظلت الدولة هي الفاعل الأكثر تنظيماً وحضوراً، وظلت الأحزاب تتنافس على المواقع أكثر مما تتنافس على الأفكار، وظلت بعض الجمعيات تدور حول الزعامات أكثر مما تدور حول القضايا، فإن كثرة التنظيمات ستظل مجرد تعدد عددي لا يتحول إلى تعدد فعلي في القوة الاجتماعية والسياسية،لهذا ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم مختلفاً،أي ثقافة سياسية نريد أن نبني؟.
هل نريد مواطناً تابعاً ينتظر من يمثله، أم مواطناً قادراً على تمثيل نفسه والدفاع عن مصالحه،هل نريد أحزاباً تبحث عن الناخب، أم أحزاباً تصنع المواطن السياسي،هل نريد جمعيات تبحث عن التمويل والموقع، أم مؤسسات تنتج المعرفة والمبادرة والمواطنة،هل نريد قيادات تستمر لأنها تملك التنظيم، أم مؤسسات تستمر لأنها تملك قواعد ديمقراطية،هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بإصلاح قانوني فقط،إننا أمام حاجة إلى إعادة تأسيس للعلاقة بين المواطن والمؤسسة والدولة٠
إعادة تأسيس تجعل السياسة مسؤولية وليست امتيازاً، والقيادة تكليفاً وليست ملكية، والجمعية مؤسسة وليست ملكاً شخصياً، والحزب مشروعاً وليس مجرد آلة انتخابية،عندها فقط يمكن أن تتحول التعددية من كثرة في الأسماء إلى قوة في المجتمع٠
فالمشكلة في النهاية ليست أننا نملك أحزاباً كثيرة أو جمعيات كثيرة، وإنما أننا لم ننجح دائماً في تحويل هذه الكثرة إلى فاعلية، وهذه المؤسسات إلى مواطنة، وهذه التعددية إلى قوة اجتماعية قادرة على المشاركة والتأثير،ولعل الخلاصة الأكثر قسوة هي أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من سؤال، من سيقودنا٠
بل إلى السؤال،كيف نبني مجتمعاً لا يحتاج إلى "شيخ" في السياسة، ولا إلى "مريد" في المجتمع المدني، وإنما إلى مواطنين أحرار داخل مؤسسات ديمقراطية٠
حين نصل إلى هذه النقطة، لن يكون الإصلاح مجرد تغيير في الأشخاص أو الهياكل، بل انتقالاً حقيقياً من ثقافة الزعامة إلى ثقافة المؤسسة، ومن ثقافة التبعية إلى ثقافة المواطنة، ومن كثرة الفاعلين إلى قوة الفعل٠






