سياسة واقتصاد

حَذار... الشعب المغربي لا يكتفي بالفرجة السياسية

خالد أخازي ( روائي وإعلامي مستقل )
الشعب المغربي لا يكتفي بالفرجة السياسية... يتابع، يقارن، يتذكر، ويعرف أن السياسة ليست مهرجانًا للخطابات، بل أثرٌ يُقاس في الحياة اليومية...


حذار إذن من العودة إلى الوراء...


ولنا خلافاتنا مع الحكومة، وأحيانًا مع بعض اختيارات الدولة... لكن خلافنا ليس مع الوطن... خلافنا من أجل وطن أكثر عدلًا، وأكثر وضوحًا، وأقل قابلية للاختلال والفساد والريع السياسي...


لقد جرّبنا مرحلة بنكيران بما حملته من استقطاب حاد، ومنطق سياسي قائم على المواجهة والمظلومية، ومن تجاذبات جعلت السياسة في أحيان كثيرة معركةً حول الخطاب أكثر منها منافسةً حول جودة التدبير... كانت تجربة سياسية لها ما لها وعليها ما عليها... لكنها ليست محطة ينبغي استنساخها أو الحنين إليها...


فلا نريد العودة إلى بنكيران... كما أننا لا نريد أن يكون البديل عن تلك المرحلة هو استمرار حكومة أخنوش بالصيغة نفسها...


لأن المشهد اليوم أكثر مأساوية مما توحي به البيانات الحكومية...


حكومة تتحدث عن الأرقام والإنجازات... ومواطن يتحدث عن الأسعار والقدرة على العيش...


حكومة تقول إن الدولة الاجتماعية تتقدم... وهذا له ما يسنده من برامج للدعم والحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي... لكن المواطن يريد أن يرى أثر هذه الأوراش في يومه، في جيبه، وفي المدرسة والمستشفى والإدارة...


وهنا تكمن المفارقة...


أن تنجح الدولة في بناء أوراش اجتماعية كبرى، ثم تعجز السياسة عن إقناع المواطن بأن حياته تتحسن بالسرعة التي تتحدث بها الأرقام...


أن تتراكم المشاريع... وتتراجع الثقة...


أن تتحدث الحكومة عن حصيلة إيجابية، بينما يتسع لدى قطاعات من المجتمع شعور بأن السياسة أصبحت بعيدة عن نبض الشارع... والحكومة نفسها تقدم حصيلة واسعة في الحماية الاجتماعية والاستثمار والأجور، ما يجعل النقاش الحقيقي اليوم ليس حول غياب المنجزات فقط، بل حول مدى انعكاسها على الإحساس اليومي بالعدالة والكرامة والإنصاف.


وهنا يجب أن نقولها بوضوح...


لسنا راضين تمامًا عن ديمقراطيتنا...


عن بعض مظاهر الزيف... عن التدليس... عن الممارسات التي تجعل صناعة النخب أقرب أحيانًا إلى هندسة هادئة منها إلى تنافس ديمقراطي حقيقي...


نريد انتخابات تُفرز النخب... لا نخبًا تُفصّل الانتخابات...


نريد مؤسسات تشتغل كما ينبغي... ومجالس وهيئات تستعيد أدوارها كاملة... لا مؤسسات كثيرة تُستهلك فيها الميزانيات بينما تتراجع الفعالية...


لقد قلتها من قبل...


لدينا أحيانًا تخمة في المؤسسات... وقلة في الفعالية...


وبعض المؤسسات تحتاج إلى نفس جديد... وإلى استقلال أكبر... وإلى محاسبة أكثر جدية...


أما القضاء... ذاك المظلوم دوما... مشجب معاطف الاختلالات العميقة... 

فهو أكبر من أن نختصره في أخطاء أفراد...

القضاء المستقل ليس خصمًا للدولة... بل أحد أقوى أعمدتها...

والقاضي النزيه لا يحتاج إلى التصفيق... يحتاج إلى الحماية... وإلى ضمانات تجعله قادرًا على قول: لا... حين يكون التدخل غير مشروع...

فالدولة التي تحمي استقلال قضائها لا تضعف نفسها... بل تحصّن نفسها...


وكذلك الإدارة...


لا يمكن بناء دولة قوية بعقلية الإدارة المغلقة... ولا يمكن إصلاح الاختلالات إذا ظل المواطن يشعر أن الإدارة فوق المساءلة...

نريد إدارة تخدم المواطن... لا مواطنًا يظل يبحث عن طريق للوصول إلى الإدارة...


نريد دولة قوية بمؤسساتها... لا دولة قوية بثقلها فقط...


وحين نتحدث عن الدولة...


لا ينبغي أن نقع في الخلط بين الدولة والحكومة...


الحكومات تتغير...


الأغلبيات تتبدل...


والانتخابات تأتي وتذهب...


أما الدولة فتبقى...

ولهذا فإن نقد حكومة أخنوش ليس عداء للدولة... كما أن رفض العودة إلى مرحلة بنكيران ليس دفاعًا عن الحكومة الحالية...


نحن نرفض أن يصبح المغرب رهينةً للاختيار بين تجربتين...

بين استقطاب الماضي... ومأزق الحاضر...


نريد مرحلة سياسية جديدة...

مرحلة لا يكون فيها المواطن مضطرًا إلى الاختيار بين حكومة تخيفه بخطابها... وحكومة تُربكه بأدائها...


نريد حكومة تقنعه بالعمل...


لا بالخطابة...


وحذار من اللحظة التي تتحول فيها أزمة الثقة إلى قطيعة مع السياسة...


فحين يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئًا... وأن النخب تتداول المواقع بينما تتداول الأسر همومها اليومية... يصبح الصمت نفسه شكلًا من أشكال الاحتجاج...


وهنا تكمن المأساة الحقيقية...


ليس أن يغضب الشعب...


بل أن يفقد الأمل في جدوى السياسة...


لذلك...


نختلف... نعم...


ننتقد... نعم...


نطالب بالإصلاح... نعم...


لكننا لا نهدم الوطن لأن حكومة أخطأت...


ولا نستدعي الماضي لأن الحاضر خيّب آمالنا...


نريد مغربًا يتقدم... لا مغربًا يعود إلى الوراء...


فالشعب المغربي لم يعد متفرجًا في الصفوف الخلفية...


إنه يرى... ويتذكر... ويقارن...

وحين يصمت...

فلا يعني بالضرورة أنه اقتنع...

قد يكون فقط...

ينتظر أن يرى ماذا سيفعل السياسيون بعد أن انتهى زمن الفرجة...