مجتمع وحوداث

نحو نقاش قانوني ومؤسساتي لمهنة المحاماة بعيداً عن التخوين والتشهير

جميلة السيوري (محامية بهيئة الرباط)
في سياق قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب بمواصلة التوقف الشامل والمفتوح عن تقديم الخدمات المهنية للشهر الرابع على التوالي، وجهت المحامية جميلة السيوري من هيئة الرباط رسالة تنتقد تحويل الاختلاف المهني إلى تشهير وتخوين، وتدعو إلى إعادة النقاش إلى الإطار القانوني والمؤسساتي واحترام حقوق الدفاع واستقلالية المهنة. 

كثر الحديث عن قانون مهنة المحاماة، وكثرت معه المواقف والبلاغات والاتهامات المتبادلة، إلى درجة أصبح معها من الضروري أن نعيد النقاش إلى مكانه الطبيعي: القانون، والمؤسسات، وحقوق الدفاع، واستقلال مهنة المحاماة، بعيداً عن التخوين والتشهير وتوزيع صكوك الوطنية والمهنية.

لا أحد فوق القانون، ولا أحد يملك حق تعطيل تنفيذ قانون نافذ. لكن في المقابل، كون القانون قد نُشِرَ ودخل حيز التنفيذ لا يعني أن مناقشة مقتضياته أو الاعتراض عليها أو المطالبة بتعديلها أصبح تمرداً على القانون أو على المؤسسات الدستورية. فهذه بالضبط إحدى الوسائل الطبيعية التي تتيحها دولة القانون.

ومن الغريب أن يتحول الاختلاف حول قانون مهني إلى معركة بين من يدعي تمثيل "الأغلبية" ومن ينعت الآخرين بالمراهقة المهنية أو بالكائنات الانتخابية أو بخونة الوطن.

من أعطى لأي طرف حق احتكار الحديث باسم الأغلبية؟

الأغلبية لا تُستَخرَج من عدد البلاغات، ولا من كثافة المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا من ارتفاع نبرة الخطاب. والأقلية كذلك لا تُحدَّد بالشتائم أو بالتشكيك في النوايا. الأغلبية داخل المهنة تُعرَف من خلال الآليات والمؤسسات التي يحددها القانون، ومن خلال الممارسة الديمقراطية المهنية.

والأخطر من ذلك هو محاولة ربط الاختلاف المهني بالخيانة أو بالخارج أو بمواجهة المؤسسة الملكية. فهذا منطق خطير على الجميع؛ لأن النقاش حول قانون مهني، أو الاعتراض على مقتضياته، أو المطالبة بضمانات إضافية لاستقلال المحاماة، لا يمكن اختزاله في مواجهة مع الدولة أو مع المؤسسة الملكية.

استقلال المحاماة ليس امتيازاً شخصياً للمحامي، وليس حصانة من المساءلة، كما أنه ليس ذريعة لحماية الفساد أو الإفلات من المسؤولية. لكنه في الوقت نفسه ليس شعاراً قابلاً للإلغاء كلما اختلفنا مع مواقف أصحابه.

المساءلة مطلوبة، والشفافية مطلوبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ لا خلاف عليه. لكن المساءلة نفسها يجب أن تتم وفق القانون، ومن خلال المؤسسات المختصة، وباحترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع وقواعد المسطرة.

أما الحديث عن وجود "اختلالات خطيرة" أو "فساد" في تدبير أموال أو ودائع، فإن كان المقصود وقائع محددة، فالمكان الطبيعي لها هو أجهزة الرقابة والجهات القضائية المختصة، لا منصات التواصل الاجتماعي. فاتهام الأشخاص والمؤسسات بارتكاب أفعال خطيرة ليس وجهة نظر سياسية أو مهنية؛ إنه ادعاء ينبغي أن يستند إلى وقائع وأدلة ومساطر قانونية.

كما أن الدفاع عن المساعدة القضائية وخدمة المتقاضين، وهو أمر يستحق التقدير بلا شك، لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتجريم كل من اختار موقفاً مهنياً مختلفاً. فمن حق المحامي أن يختلف في تقييم الإضراب أو التوقف أو أساليب الاحتجاج، كما أن من حقه أن يناصر استمرار العمل. لكن لا يملك أحد حق احتكار الوطنية أو الغيرة على المهنة.

المحاماة ليست ملكاً للنقباء، ولا للمكاتب، ولا للجمعيات، ولا للمرشحين المحتملين، ولا للمعارضين لهم.

إنها مهنة منظمة بالقانون، ورسالة مرتبطة بالعدالة وحقوق الإنسان وحقوق الدفاع.

ولهذا فإن الاختلاف الحقيقي اليوم ليس بين "حكماء" و"مراهقين"، ولا بين "وطنيين" و"خونة"، ولا بين من يحب المهنة ومن يريد تدميرها.

الاختلاف هو حول أي نموذج نريد لمهنة المحاماة؟

هل نريد مهنة مستقلة ديمقراطية، شفافة، خاضعة للقانون والمساءلة؟

أم نريد استقلالاً يُستَعمل حين يخدم مصلحة فئة، ومساءلة نطالب بها للآخرين فقط؟

إن الاستقلال والمساءلة ليسا نقيضين. بل إن استقلال المهنة لا يتحقق إلا بمؤسسات قوية، وتدبير شفاف، وانتخابات نزيهة، وتداول ديمقراطي، واحترام صارم للقانون.

وفي المقابل، فإن احترام القانون لا يعني إغلاق باب النقاش حوله. فكل قانون وضعي قابل للنقد والمراجعة والتعديل، متى ظهرت من خلال الممارسة ثغرات أو مقتضيات تحتاج إلى إصلاح، وذلك عبر المؤسسات والمساطر الدستورية والتشريعية.

لذلك فإن تحويل الاختلاف إلى سب وشتم، أو إلى تخوين، أو إلى احتقار للزملاء، أو إلى ادعاء امتلاك الحقيقة وحده، فهو بالضبط ما ينبغي أن نرفضه داخل مهنة يفترض أن تكون أول مدرسة في احترام القانون والحوار والحجة.

لنحترم القانون، نعم.

ولنحترم المؤسسات، نعم.

ولنحترم استقلال القضاء والمحاماة، نعم.

ولنربط المسؤولية بالمحاسبة، نعم.

لكن لنحترم أيضاً حق المحامي في الاختلاف، وحقه في النقد، وحقه في أن يقول "لا" دون أن يتهم بالخيانة أو بالمراهقة أو بعدم الغيرة على المهنة.

وفي نهاية المطاف، سيحكم على كل موقف الزمن والممارسة، لا صخب المنصات.

فليكن اختلافنا راقياً بقدر الرسالة التي ندعي الدفاع عنها.