سياسة واقتصاد

حين يتقمص المسؤول دور المعارض للهروب من المسؤولية

الحسن زاين

يعكس السلوك التواصلى لبعض الوجوه الحكومية مفارقة صارخة، قوامها الانفصام التام بين الخطاب الرسمي والمسؤولية الفعلية. و إلا فما معنى أن يطل مسؤول حكومي، في شخص فوزي لقجع المتحكم في مفاصيل الميزانية، ليقر فجأة بأن القدرة الشرائية للمواطن باتت في الحضيض، وأن اقتناء كيلوغرام من اللحم بـ150 درهماً أمرا فوق الطاقة وغير مقبول، فهذا لا يعكس مجرد قراءة متأخرة للواقع، بل يكشف عن محاولة واضحة للهروب إلى الأمام، والتنصل من تبعات قرارات حكومية ساهمت بشكل مباشر في تأزم الوضع الاجتماعي.

​هذا الخروج المفاجئ يضعنا أمام ظاهرة سياسية مقلقة تتمثل في الاستغلال الظرفي للملفات الاجتماعية، حيث يرتدي المسؤولون عباءة الناقد لواقع هم أنفسهم من هندسوه ودافعوا عنه باستماتة تحت قبة البرلمان.

​لم يكن غلاء المعيشة وليد اللحظة، بل هو تراكم لمسار طويل من الاختيارات الحكومية التي قوبلت بانتقادات واسعة، وُجهت، بدورها، بتبريرات واهية وإغلاق للباب أمام كل المبادرات الرامية للتخفيف من وطأة الأزمة. 

وحين كانت الأغلبية الحكومية تدافع بكل شراسة عن القوانين والتدابير المجحفة، وتكتفي بإرجاع الأسباب إلى تقلبات الأسواق الدولية، كان المواطن وحده من يدفع ثمن هذا التعنت.

​واليوم، يأتي هذا الاعتراف المتأخر من داخل الأغلبية ليطرح تساؤلات مشروعة حول الجدوى من تقمص دور الضحية أو المعارض من طرف من يمسكون بزمام القرار. إنها محاولة مكشوفة لتبديل الجلد السياسي وتبرئة الذمة من فشل تدبيري جماعي، وكأن الذاكرة الوطنية قصيرة إلى حد ينسى فيه المغاربة من دافع عن "بونات" الدعم المشبوهة، ومن غض الطرف عن جشع لوبيات الاحتكار.

​إن خطورة هذا النهج تكمن في ضربه لما تبقى من جسور الثقة بين المواطن والمنتخبين، وفي العملية الانتخابية ككل، فالمسؤولية السياسية والأخلاقية لا تتجزأ، ولا يمكن لأعضاء الحكومة أن يستفيدوا من امتيازات السلطة والتسيير ثم يتنصلوا من مسؤولية إخفاقاتها عند اصطدام السياسات العمومية بالحائط المسدود.

لقد بات المغاربة يعيشون واقعاً قاصياً يلامس أمنهم الغذائي والمعيش اليومي، وهم ليسوا بحاجة إلى من يمارس عليهم "الاستحمار السياسي" أو يقدم لهم تشخيصات متأخرة لمعاناة يعايشون تفاصيلها القاسية كل ساعة. فالاعتراف بالخطأ يقتضي الشجاعة بالقول بوضوح إن الاختيارات السابقة كانت خاطئة، وإن التدبير الحكومي فشل في حماية القدرة الشرائية، لا الاكتفاء بلعب دور المراقب الخارجي وكأن الأمر يعنيهم في شيء.

​ إن استمرار هذا الانفصام بين الخطاب والممارسة يعمق أزمة تدهور منسوب الثقة، ويثبت أن بعض النخب السياسية تتعامل مع قضايا المواطنين بمنطق الظرفية الانتخابية والاستغلال الضيق، متناسية أن التاريخ السياسي لا يمحوه تبديل النبرة، وأن المحاسبة الحقيقية تبدأ حين يدرك المسؤول أن الكرسي تكليف ومسؤولية جسيمة لا وسيلة للتنصل والتبرير.