مجتمع وحوداث

لماذا يجب أن تبقى الجامعة العمومية مجانية؟

سعيد الصديقي (أستاذ بكلية العلوم القانونية والسياسية جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس)

عندما أتأمل في محيطي من الأصدقاء والزملاء الذين كانوا موظفين أو أجراء، وواصلوا دراستهم بكفاح رغم محدودية دخلهم، واستطاعوا تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، بل إن عددا كبيرا منهم يمثلون قصص نجاح وكفاح حقيقية، أتساءل: هل كانوا سيتمكنون من تحقيق ذلك لو فُرض عليهم أداء رسوم دراسية في مختلف أسلاك التعليم العالي؟ 

لكن الأهم الآن: كم من أبناء الفئات الفقيرة ومتوسطة الدخل سيحرمون من هذه الفرصة؟ وهل سيؤدي التوقيت الميسر إلى إعادة إنتاج الفوارق الطبقية وتوسيعها؟

لا يمكن مقارنة الجامعات المغربية بجامعات الدول المتقدمة اقتصاديا، حيث لم يعد التعليم العالي فيها مجانيا في كثير من الحالات. فالنسيج السوسيو-اقتصادي في تلك البلدان يسمح للشباب بتحقيق ذواتهم والحصول على دخل يمكنهم من المزاوجة بين العمل وتحمل تكاليف الدراسة.كما أن عددا مهما منهم يتلقون منحا ودعما، أو يستفيدون من قروض طويلة الأجل، من مؤسسات رسمية ومدنية متنوعة..

عندما يصبح الوضع الاقتصادي في المغرب، ومستوى الدخل الفردي فيه، قريبا من مستويات تلك الدول، فيمكن عندها فتح نقاش جدي حول مستقبل مجانية التعليم العالي.

أما في الوضع الاقتصادي الحالي، فإن فرض رسوم على التعليم العالي سيكون، في نظري، بمثابة عقاب لفئات المأجورة والموظفين محدودي ومتوسطي الدخل، وحرمان لهم من إحدى أهم آليات الترقي الاجتماعي والاقتصادي.

هناك مسألة تقنية قد لا ينتبه إليها كثير من الناس.فحتى في حال تعميم هذا النظام فعليا، ولم يعد أمامنا نحن الأساتذة سوى الامتثال له إداريا، فإن استقطاب الطلبة إلى التوقيت الميسر سيكون محدودا جدا في العديد من التخصصات.

ولنفترض، مثلا، أن جميع مسالك الماستر سيفتح فيها فوجان: الأول مجاني للطلبة المتفرغين، والثاني مؤدى عنه للطلبة الموظفين والمأجورين، فإن الفوج الثاني، لكي يكون «مربحا» (معذرة على هذه العبارة التي بدأت تُستعمل الآن في الجامعات والكليات، مع الأسف)، ينبغي أن يتجاوز عدد الطلبة فيه حدا معينا.

وفي حال كان عدد الطلبة المقبولين فعليا أقل من العدد الذي تقتضيه الحسابات المالية للكليات والفرق البيداغوجية، فإن الحل سيكون واضحا جدا: لن يُفتح الفوج أصل، وستعلن نتيجة: لا أحد. وستتكرر هذه الحالة في عدد كبير من المسالك.

فما مصير الطلبة الذين عبروا عن رغبتهم في أداء رسوم الدراسة والتسجيل في هذا الفوج الثاني؟ سيحرمون ببساطة من متابعة دراستهم.

بمعنى آخر، ستدخل الجامعة العمومية في منطق حساب الربح والتكلفة، ولا سيما أن أفواج التوقيت الميسر ستحتاج إلى استعمالات زمنية مسائية وأيام عطلة نهاية الأسبوع، وربما إلى استئجار قاعات خارج الحرم الجامعي لتفادي عرقلة الدراسة من طرف الحركة الطلابية.

علاوة على ذلك، فإن بعض الكليات التي خاضت تجربة التوقيت الميسر منذ سنوات بدأت تواجه مشكلة أخرى، إذ لم يعد هذا النظام مغريا لبعض الأساتذة الذين سبق لهم الاستفادة من التدريس فيه، ولا سيما مع تراجع عدد الطلبة المسجلين. ويعود هذا التراجع إلى عوامل متعددة، من بينها استنفاد جزء كبير من الطلب المحتمل من الموظفين والأجراء الراغبين في الدراسة بهذا النظام، بعد استفادة أعداد مهمة من هذه الفئة منه خلال السنوات السابقة.

بالمختصر المفيد، إن الحفاظ على مجانية التعليم في الجامعة العمومية مسألة حيوية للمجتمع المغربي وركن أساسي للسلم الاجتماعي.