سياسة واقتصاد

تمويل الانتخابات … حكاية مهندس

عبد الرفيع حمضي

في أواسط التسعينات بالدار البيضاء كان لي جار مهندس، تخرج من إحدى المدارس العليا بالخارج، وبعد سنوات من العمل هناك رجع إلى المغرب بحماس، وبكثير من الأمل في التحولات السياسية التي كانت البلاد مقبلة عليها.

اقترح عليه قيادي حزبي، ابن منطقته، أن يترشح في دائرة انتخابية بالأطلس المتوسط. لم يعرف صديقي هل كان الاقتراح تقديرا لكفاءته، أم أن الحزب لم يجد من يتحمس لخوض المعركة هناك. لكنه، بعقلية المهندس، أخذ الأمر مأخذ الجد، وبدأ يحضر الاجتماعات استعدادا للانتخابات.

في أحدها, بالعاصمة ،كان يرأسه زعيم الحزب بحضور عدد من أقطابه والمرشحين المؤكدين والمحتملين، دار الحديث عن الحملة وتمويلها. رفع صديقي يده وسأل سؤالا بدا له منطقيا: ما نصيب المرشح من الدعم الذي توصل به الحزب لتمويل الحملة الانتخابية؟

نظر إليه الزعيم باستغراب، ثم التفت إلى من حوله وسأل: (مَاد إيمس وا ؟) شكون هذا؟».

كان الاستغراب أبلغ من الجواب. فقد اكتشف جاري أن الدعم الذي يتوصل به الحزب شيء، وتمويل المرشح لحملته شيء آخر، وأن عليه أن يدبر حملته بنفسه، بل وقد يكون مطالبا بمساهمات اخرى . 

تذكرت هذه الحكاية وأنا أتابع ما يروج اليوم حول حرب التزكيات داخل الفضاء الحزبي. وهي حرب لها وجه مفهوم ومشروع، يتعلق بتدبير طموحات الأشخاص وتنافس المناضلين على الترشيح، وهو أمر طبيعي، بل ومطلوب في الحياة الحزبية، وغالبا ما يمكن احتواؤه داخل المؤسسات والتنظيمات رغم غضب البعض .

لكن لها وجها آخر أكثر إثارة للقلق: معركة بين مناضلي الأحزاب، الذين راكموا سنوات من العمل داخل تنظيماتهم، وبين زوار آخر لحظة الذين يبدو أن شرعيتهم الوحيدة يستمدونها من قدرتهم المالية وسخائهم . هنا تختل المعادلة، وينتقل السؤال من التنافس السياسي إلى سلطة المال.

وقد كتبت قبل أسابيع عن التنافس بين ثلاثة أنواع من الرأسمال داخل الأحزاب: الرأسمال النضالي، والرأسمال المعرفي، والرأسمال المالي، وعن الخشية من أن يصبح الاخير أكثر قدرة على حسم الأمور من غيره.

لكن وراء معركة التزكيات سؤال أكبر، يتعلق هذه المرة بالمال العام نفسه.

عندما بدأ المغرب تجربة الدعم العمومي للأحزاب في الثمانينيات، كانت الفلسفة واضحة: مساعدة الأحزاب على القيام بأدوارها، وحماية القرار السياسي، قدر الإمكان، من الارتهان للتمويلات المشبوهة وللممولين الكبار، وتمكين التنظيمات السياسية من التأطير والتواصل مع المواطنين والمساهمة في تطوير المسلسل الديمقراطي.

بدأنا سنة 1987 بغلاف قدره عشرون مليون درهم، لم يكن مخصصا للأحزاب وحدها، بل شمل كذلك الصحافة والنقابات. واليوم نتحدث، بمناسبة انتخابات 2026، عن غلاف يتجاوز أربعمائة مليون درهم.

وبعد قرابة أربعة عقود، أليس من حقنا أن نتوقف للتقييم؟

ليس السؤال فقط: هل صرفت الأموال وفق القواعد؟ وهل قدمت الفواتير والوثائق المثبتة للنفقات؟ فهذا جانب من الرقابة يقوم به المجلس الأعلى للحسابات. السؤال السياسي والديمقراطي أعمق من ذلك: هل حقق التمويل العمومي الغاية التي أحدث من أجلها؟

هل حمى الأحزاب فعلا من سطوة «أصحاب الشكارة»؟ هل قلل حاجتها إلى الأموال القادمة من مصادر محدودة، معروفة أو غير معروفة؟ أم أصبح المال العمومي موردا إضافيا، بينما ظل البحث عن المرشح القادر على تمويل نفسه وحملته، وربما حزبه، قائما؟

ثم ماذا عن الغاية الديمقراطية من هذا الدعم؟

كان يفترض أن يساعد الأحزاب على تأطير المواطنين، وتكوين الشباب، وتنظيم اللقاءات، والتواصل مع الناس وتحفيزهم على المشاركة في الحياة السياسية. فهل انعكس تضاعف الدعم على حضور الأحزاب داخل المجتمع؟ وهل صاحب ارتفاع الأموال ارتفاع مماثل في المشاركة والثقة والانخراط السياسي؟ وهل أصبحت الأحزاب أقرب إلى المواطنين مما كانت عليه قبل أربعين سنة؟

هذه ليست أسئلة ضد تمويل الأحزاب. فالديمقراطية لها كلفة، واستقلال الأحزاب يحتاج إلى موارد، وقد يكون البديل عن التمويل العمومي أخطر بكثير. إنها ببساطة أسئلة عن المردودية الديمقراطية للمال العام.

فبعد كل هذه السنوات، لا يكفي أن نسأل الأحزاب: أين صرفتم الأموال؟ من حقنا أيضا أن نسألها: ماذا أنتجت هذه الأموال؟

أما جاري المهندس، فقد عاد بعد سنوات إلى الخارج واستقر هناك، وهو اليوم منتخب محلي بمدينة إقامته، يقضي ما تبقى من حياته بعيدا عن البلاد.

ولا أدري إن كان ما يزال يتذكر ذلك الاجتماع، وذلك السؤال البريء الذي أثار استغراب زعيم الحزب.

وبين ما يقال وما لا يقال… بعد قرابة ثلاثين سنة، ما زال سؤال المهندس قائما: إذا كانت الدولة تدعم الأحزاب حتى لا تحتاج إلى أصحاب الشكارة، فلماذا ما زالت السياسة تبحث عن أصحاب الشكارة؟