(الصورة التُقطت بعد العرض العالمي الأول لشريطه "أحداث بلا دلالة" في 14 من فبراير 2018 في برلين). حينئذ كتبت سلسة من أركان، ولا زلت أحتفظ بمقطع من أحدها.
من أجل مصطفى الدرقاوي...
تأخر شريطه "أحداث بلا دلالة" في الوصول، لكن عرضه في برلين بعد خمس و أربعين سنة على تصويره، خير من عدم الوصول. أحداث بدون دلالة، تحول الآن لعمل بدلالات عميقة بعد أن تم العثور عليه في مختبر كاتالونيا (فيلموطيكا دي كاتالونيا) قبل نحو ثلاث سنوات. تم ترميمه و تصحيح ألوانه، و ثم تقديمه في ثلاثة عروض عالمية في واحدة من قاعات مهرجان برلين المحترمة، للسينمائيين، و للسينما، و لجمهور السينما.
مصطفى الدرقاوي كما شاهدته في برلين، و مثلما عرفته صغيرا. طفل كبير، بإحساس مرهف حين تقترب منه، و رجل بنظرات طفولية حين تكلمه عن السينما التي تكون فيها، و تنفسها، و عاش بها و من أجلها. الداء اللعين ينال من الجسد، و لكنه لم يؤثر أبدا على تركيز و نباهة مصطفى الدرقاوي. عاتبني لأني لم أزره في بيضائه، و كتب على لوحة إلكترونية أمامه : " ابني، أعزك". قرأتها ووجهت عيني نحو "Léa Morin" التي لا تفارقه، و لا تتوقف عن الشرح لكل من يبحث عن شرح يخص الفيلم. في مثل هذه الحالات، ليس هناك ما يمكن للآدمي أن يضيفه. عبرنا لمشاهدة فيلم "أحداث بلا دلالة" في قاعة ال Arsenal 1، و من المشاهد الأولى تكتشف المجهود الكبير الذي تم القيام به تقنيا لترميم الشريط. الفيلم مضمونه سينما، و في الخلفية هموم عاشها جيل سابق، و صورها الدرقاوي في الدار البيضاء المدينة التي أرادها أن تبدو في الظاهر متحررة من العقد. سؤال يطرح، و يعاد طرحه: ما تطلعاتك و سقف انتظاراتك من فيلم سينمائي مغربي أو من أفلام مغربية؟ تتوالى الإجابات، و تبدو أحيانا متكررة، لأن المخرج يريد لهذه الإجابات بالذات أن تمر عن قصد، و طبعا تكون لها دلالة. تقنية التقابل المؤدي للتنافر، أتقنها مصطفى الدرقاوي في شريط صوره في بداية السبعينات، و كان ربما يسير بإيقاع ارتفع، و معه رفع الفهم، و كثرت التأويلات في تلك الفترة. وجوه كثيرة تعبر أمام المشاهد في الشريط، و مصطفى الدرقاوي بنفسه كما نراه في ثلاث من مناسبات، و كثيرة هي الأسماء التي تراها في الشريط المرمم، و تبتسم لأن الأمر يتعلق بوثيقة للتاريخ طالها النسيان لفترة طويلة. الوثيقة/ الفيلم، عثر عليها، و رممت و قدمت للناس في برلين، و أغلبهم استوعبوا بأننا في المغرب صورنا أفلاما في تلك الفترة، و هو أكبر ربح للبلد لمن يريد أن يستوعب الكلام. في الشريط، ملامح صلاح الدين بنموسى لم تتغير كثيرا، و داخل جو الجد يحضر بلمسة مرحة. على خلاف المتوقع، فالقفل المحوري لا تملكه الوجوه الكثيرة و الشهيرة حينئذ في مجالات الفن و الأدب و التشكيل التي ظهرت في العمل، بل منحه المخرج لشاب بسيط يرفض الاستغلال، و ينتفض في وجه مشغله.
كبار شاركوا و رحلوا، و آخرون لا زالوا بيننا و أنتظر بفارغ الصبر أن أتابع ردة فعلهم بعد مشاهدة عمل اعتقدنا بأنه مات، قبل أن نكتشف بأنه حي رزق بفضل جهود عبد الكريم الدرقاوي و "Léa Morin " من خلال "مرصد فن و بحث بالدار البيضاء"، و مختبر كاتالونيا. ترميم رقمي، و اشتغال مضن لكي لا يتم التأثير على سحر الصورة و الصوت، و الاحتفاظ بروح المضمون. "أحداث بلا دلالة"، يعيد لمصطفى الدرقاوي هيبته، و يحيي كبرياءه الجميل، و قد يحفز مخرجين آخرين للبحث عن أشرطتهم المفقودة، و ينهوا عمر الإهمال. أفلام كثيرة أنجزت بالأمس القريب في التسعينات بمستويات متباينة فنيا، و لا يتوفر أصحابها على أثر لها و هو حقا عيب كبير جدا، و أمر مسيء للأجيال اللاحقة و لأرشيفنا الذي لا تعيره المؤسسات الوصية كبير اهتمام.
في القاعة ببرلين، يطلب مصطفى الدرقاوي الاستماع لكل الأسئلة، و يجيب كتابة و لا يمل. استعاد كبير الدرقاويين عافيته في برلين، لأن الرجل يتعرف على نفسه، و يعيد اكتشافها في كل مرة من خلال السينما، و السينما كما يردد "ستيفان سودربورغ" في أعماله تعالج. هو مصطفى الدرقاوي الذي تكون رفقة شقيقه و رفيقه في الفن "عبد الكريم الدرقاوي" في "اللوتز" في بولونيا، في زمن كان فيه كثيرون يرون بأن التكوين في الفن مضيعة للوقت و خسارة فادحة. هو مصطفى الدرقاوي الذي عاش في برلين الأسبوع الماضي، أحداثا بدلالة كبيرة. هو مصطفى الدرقاوي الذي دفع بالمركز السينمائي المغربي ليبرمج شريطه هذا في افتتاح المهرجان الوطني في طنجة قريبا، و هي رسالة قوية لكل الصغار. رسالة مفادها بأن الكبار كانوا و سيبقون كبارا، و الدرقاوي واحد من الكبار إن لم يكن أكبرهم.
مصطفي الدرقاوي، ارتديت قبعة ال "إف ب إم" في برلين. وعدتني بأن تقاوم و تتعافى لتحضر، و أتشرف بمنحك قبعة أخرى في الاستوديو بين ذوينا و مع أبناء جلدتنا، و أن نناقش بعضنا سينما. وعدتني، و أنا أنتظر و سأنتظر.. أعزك أيها الفنان الكبير، و هنيئا لك و لأرشيفنا بأحداثك التي ستصير دالة أكثر بعد أن تعرض قريبا عندنا في المغرب.
لم يعرض الفيلم في القاعات، ورحل مصطفى الدرقاوي. رحمه الله، والسلام.






