تحليل

قانون المحاماة.. من أزمة المسار التشريعي إلى مأزق القرار السياسي

محفوظ كيطوني (محامي بهيئة وجدة)

لم يكن قرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بقانون تنظيم مهنة المحاماة نهايةً لأزمة هذا النص، بقدر ما أعادها إلى منطقة رمادية بامتياز، فالمحكمة لم تقل إن القانون مطابق للدستور، كما أنها لم تقضِ بعدم دستورية مواد من مواده، وإنما توقف نظرها عند عيب شكلي حال دون توفر النص النهائي موضوع الرقابة بالصورة التي تسمح لها بالبت فيه.

وهكذا انتهت محطة كان ينتظر منها حسم جزء من الخلاف أو تحصين الخلاف من قبل صاحب المشروع، فيما بقي القانون قائماً، وبقيت الأزمة أكثر تعقيداً.

فحين تمتنع مؤسسات مهنة منظمة عن اعتبار نفسها معنية بالنص الذي سيعيد تنظيمها، وتستمر في التوقف، وتلوح باستقالة نقبائها، وترفض الإشراف وتنظيم استحقاقاتها المهنية، فإننا لا نكون أمام خلاف فقط حول قانون، بل أمام أزمة في قابلية القانون نفسه للحياة داخل الوسط الذي يفترض أن ينظمه ويُطبق فيه ويكون إطاره المعبر عنه.

وهذا ما يمثل أحد العناصر التي تجعل مأزق الحكومة اليوم أعمق مما كان عليه طيلة المسار التشريعي للقانون.

فكان يمكن للقرار الدستوري في الجوهر، نظرياً، أن يغير بعض عناصر المعادلة. فإن قضت المحكمة بعدم دستورية مقتضيات أساسية، فإن إعادة النظر فيها لن تقدم باعتبارها تراجعاً حكومياً أمام الضغط المهني، بل باعتبارها نتيجة واجبة لحكم دستوري. وإذا كانت قد أكدت دستورية النص، فإن الحكومة كانت ستحصل على سند مؤسساتي مهم لاستكمال المسار، رغم رفض هيئات المحامين للقانون.

لكن المحكمة الدستورية لم تمنح أي طرف هذا الحسم، وبذلك عاد القانون إلى السياسة من الباب الضيق، وبعد أن أصبحت شروط السياسة نفسها أسوأ مما كانت عليه قبل أشهر.

وهنا بدأ مأزق القرار السياسي: فالذهاب الآن إلى إصدار القانون لا يعني إنهاء أزمة المحامين، لأن المحامين متوقفون أصلاً، بل يعني نقل النزاع من مواجهة ضد مشروع قانون إلى مواجهة بكيفية تفعيل قانون نافذ، مع ما يمكن أن يترتب عن ذلك من صعوبة في إدارة العلاقة بين الدولة والمؤسسات المهنية المكلفة عملياً بتنزيل وتطبيق وتفعيل أحكامه، وأولها الإشراف على الانتخابات وتنظيمها.

وفي المقابل، فإن إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية بإحالة جديدة مستوفية للشروط، إذا سلكها أحد أصحاب الصفة الدستورية، تعيد إمكانية الحسم الدستوري، لكنها لا تلغي المأزق السياسي، لأن أي قرار جوهري هذه المرة سيأتي في توقيت استثنائي شديد الحساسية، وهو زمن الانتخابات التي ستكون في قلب الأزمة.

فالانتخابات التشريعية مقررة رسمياً في 23 شتنبر 2026، والاستعدادات المؤسساتية لها دخلت بالفعل مراحل متقدمة، وهذا يعني أن الحكومة لا تدير قانون المحاماة اليوم في زمن تشريعي عادي، وإنما في الأسابيع الأخيرة السابقة لانتخابات سيعرض فيها عملها وحصيلتها على التقييم السياسي.

ومن هذه الزاوية، يصبح قانون المحاماة ملفاً ذا كلفة انتخابية محتملة، لا بسبب عدد المحامين كناخبين، فذلك تبسيط لا يعكس حقيقة المهنة، وإنما بسبب الصورة السياسية التي أنتجها الملف: إصلاح لقطاع من قطاعات العدالة انتهى إلى أشهر من الاحتجاج والتوقف الشامل عن مهام الدفاع والمساعدة القضائية، واضطراب مرفق العدالة، وتهديد باستقالة النقباء، وأزمة ثقة في الحوار الحكومي، ثم إلى حالة دستورية استثنائية فريدة لم تصل إلى حسم الموضوع.

وهذه ليست صورة يمكن اختزالها أو تجاوزها في حصيلة سياسية في نهاية ولاية حكومية.

كما أن المسؤولية لا تتوزع بالتساوي من الناحية السياسية، فوزير العدل لا يبقى فقط الفاعل الأساسي في إنتاج الأزمة، حيث ارتبط اسمه بالمشروع وبالدفاع عن خياراته التشريعية، بل أكثر من ذلك، لكونه ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالسجال الذي رافق المشروع وبتصعيد الأزمة وتحدي هيئات المحامين واستفزاز نقبائها. لذلك تصبح نتيجة الملف جزءاً من تقييم تدبيره السياسي للوزارة، لا مجرد قانون من القوانين التي مرت خلال الولاية.

وفي الوقت نفسه، تتحمل الحكومة مسؤولية أوسع، ولأن رئيسها دخل شخصياً على خط الأزمة ونجح في لحظة معينة في إيقاف التصعيد وإعادة المحامين إلى العمل، فإن عودة النزاع بعد تلك الوساطة تجعل السؤال السياسي أكثر إحراجاً: كيف انتقل الملف من تفاهم تحت إشراف رئيس الحكومة إلى أزمة ثقة وتوقف مفتوح؟

ثم هناك الأغلبية البرلمانية التي تحملت مسؤولية تمرير النص، فيما تستعد الأحزاب المكونة لها بعد أسابيع قليلة للانتقال من منطق التضامن الحكومي إلى منطق المنافسة الانتخابية. وهنا قد تظهر مفارقة سياسية أخرى: فالملف الذي تحملت الأغلبية مسؤوليته جماعياً يمكن أن يصبح، مع اقتراب الانتخابات، ملفاً يحاول كل مكون أن يحدد المسافة التي تفصله عن كلفته، ففي الانتخابات لا تبقى الأحزاب الحكومية كتلة واحدة، إذ تعود إلى التنافس على الناخب والجري وراء صوته والتنافس على حصتها في البرلمان وعلى موقعها في الحكومة المقبلة.

لهذا يبقى منفذ العودة إلى تفاوض واسع وإدخال مراجعات جوهرية ليس بلا ثمن سياسي، ولا يعني تصدير الأزمة للحكومة السابقة، بل حسم تجميدها سياسياً وإعادتها إلى نقطة البداية إجرائياً، وإن كان ذلك صعباً دستورياً، فسيصبح التساؤل عن سبب عدم الوصول إلى هذه التسوية قبل دفع كل هذه الكلفة؟ وهذا ما يمثل مخرجاً سياسياً.

وبذلك يصبح السؤال السياسي عن قانون المحاماة مختلفاً تماماً: من يريد أن يدخل الانتخابات وهو يحمل مسؤولية الحسم في هذا الملف؟

إن إصدار القانون الآن يحمل كلفة مواجهة مهنة ترفضه في مجمله، وإعادة إحالته دستورياً تنطوي على مخاطر أن يأتي القرار في صلب الزمن الانتخابي، وإعادة النظر فيه على نطاق واسع تحمل كلفة الاعتراف الضمني بأن المسار السابق لم ينتج النص القابل للاستمرار، أما استمرار الوضع من دون حل، وهذا يبقى مستبعداً، فيعني أن تدخل الحكومة الانتخابات فيما الأزمة قائمة والمحامون في حالة توقف.

هذه هي صور المأزق. فالمسألة ليست البحث عمن انتصر، فالمحامون دفعوا بدورهم ثمناً مهنياً واجتماعياً كبيراً بسبب طول فترة التوقف، والمتقاضون ومرفق العدالة يتحملون جانباً مهماً من هذا الثمن، كما أن استمرار الأزمة إلى ما لا نهاية لا يمكن أن يكون حلاً لأي طرف.

لكن مسؤولية السلطة السياسية مختلفة بطبيعتها، لأنها صاحبة المبادرة التشريعية، وهي المطالبة في النهاية بتحويل الإصلاح من إرادة تشريعية إلى سياسة قابلة للتطبيق، والسؤال الذي يطرحه الملف اليوم هو ما إذا كان ذلك لا يزال ممكناً بالمنهج نفسه الذي أوصل الأزمة إلى هذه المرحلة؟

فحين يصل الخلاف إلى أن تقول المؤسسات المهنية إن القانون "لا يعنينا"، وحين تصبح استقالات النقباء ومقاطعة الانتخابات المهنية أدوات مطروحة في المواجهة، فإن تعديل مادة أو مادتين قد لا يعيد الأمور إلى طبيعتها، باعتبار أن المشكلة أصبحت في إعادة بناء الثقة قبل إعادة بناء النص.

ويبقى السؤال الأكثر عمقاً: هل يمكن للحكومة أن تصدر قانوناً ترفضه المهنة في كليته ومهزوزاً في دستوريته، أو أن تعيد إحالته دون اعتبار لتوقيت إعلان حسمه، أو تعيد النظر فيه بعد كل ما استثمرته في تمريره، أو أن تؤجل الحسم فيه بينما الانتخابات تقترب والتوقف مستمر، من دون أن تدفع في كل حالة ثمناً سياسياً؟

فالملف الذي بدأ خلافاً حول مشروع إصلاح تشريعي انتهى إلى مأزق سياسي حقيقي.