فما معنى أن تتهم مثلا شخصا ما بأنه غير سوي، فقط لأنه اختار أن يقوم بتشغيل خاصية في هاتفه يظهر من خلالها أنه لم يقرأ الرسائل التي تصله من الآخرين، حتى لو قرأها؟
هل هذا الفعل هو سلوك خطير تترتب عنه مشاكل نفسية للناس،أو يحدث أضرارا جسدية للآخرين؟
الأمر هنا لا يعدو أن يكون اختيارا لخاصية من حق أي شخص أن يقوم بتفعيلها.
من حقه تفعيلها لأنها موجودة تقنيا،
ولأنها تقوم بتلبية حاجة من حاجياته،
وحاجته هي أنه لا يريد أن يحرج الشخص الذي بعث له الرسالة، والذي سيفهم أن متلقيها لم يجب عنها....
ثم إن الذي تسلم رسالة، دون ظهور علامة تأكيد قراءة الرسالة، يريد أن يقول بالواضح لمن بعثها له:
وصلتني رسالتك. فإن أجبتك عنها فهذا يعني أنني مهتم بها، وإن لم أجبك عنها فهذا يعني أنني لست مهتما بها.
حين يقوم شخص ما بتفعيل خاصية عدم تأكيد القراءة في هاتفه أو في حاسوبه أو في الآيباد الخاص به، فربما الشخص غير السوي هو الذي سيعتبر بأن هذا الفعل غير سوي.
لأن الذي قام بتفعيل تلك الخاصية، يكون قد قام بفعل شيء تسمح له به التقنية، وتتيحه له تكنولوجيا الاتصال .
والمهندسون الذين طوروا تطبيقات الاتصال الإلكتروني، لم يكونوا قد فكروا في إنشاء مثل هذه الخاصيات إلا بعدما تأكدوا أن هناك حاجة إليها.
قد تصلني مثلا كل صباح من شخص عزيز رسالة مكتوب فيها : صباح الخير والورد والياسمين.
تصلني كل صباح.
ومن باب رد التحية بمثلها ينبغي أن أجيب أنا أيضا :
صباح النور والسعادة والإشراق.
وينبغي أن أرد على التحايا كلها، في كل صباح.
وقد تكثر هذه الرسائل الصادرة من عدد من الأصدقاء الذين أكن لهم كل التقدير والود والوفاء.
رسائل منها ما يتضمن الدعاء بجمعة مباركة، ومنها ما يتضمن متمنيات بعطلة نهاية أسبوع ممتعة، ومنها ما فيه تذكير بأن القلوب الطيبة هي التي تحب بعضها، وغيرها من الرسائل التي تعكس المشاعر الجميلة التي نحتاج أن نتبادلها فيما بيننا.
نعم هي رسائل جميلة.
لكن عندما تأتي بكثرة من مُرسِلين كُثر، قد يصبح من الصعب الإجابة عنها بنفس العبارات المتكررة.
وهنا قد يكون تفعيل خاصية عدم تأكيد القراءة أمرا مفيدا لرفع الحرج عن متلقّي مثل هذه الرسائل في حالة عدم قدرته على الإجابة عنها كلها.
الأمر هنا، وفق ما أرى، لا يتعلق بمشكل خطير ينبغي أن نجعل منه موضوعا كبيرا، وأن نبدأ في توجيه العبارات المشينة لأشخاص لا ذنب لهم سوى أنهم اختاروا الأسلوب الذي يريحهم في التواصل مع الناس، بتفعيل خاصية مسموح لهم بتفعيلها، وقرروا أنهم حين تصلهم الرسائل ينتقون تلك التي يجيبون عنها ونلك التي لا يجيبون عنها.
المرض ليس هو أن يختار الأشخاص في تواصلهم مع الآخرين التقنية التي تريحهم، وأن يتصرفوا براحتهم وإرادتهم ووفق ما توفره لهم التكنولوجيا من خاصيات في التفاعل مع رسائل الناس.
بل المرض هو أن تجعل من نفسك رقيبا وحارسا وعساسا على تصرفات الناس.
وربما سيكون من الأجدى أن تشغل نفسك بما يمكن أن يجعلك في غنى عن الظهور بمظهر أنك أرقى وأفضل وأحسن من كل الناس، وأن تحاول تجنب محاكمة غيرك على أمور بسيطة يمكنك غض الطرف عتها، لأنها ليست ذات أهمية إن نظرت إليها بعمق ذاك الفيلسوف الذي تريد أن تكونَه وأنت تحاكم الناس على ما يفعلون..
ولله في خلقه شؤون.
وهذا ما كان.






