لكل صفة زمنها الاجتماعي، ولكل مرحلة تاريخية معجمها الذي يعكس طبيعة الفعل السائد فيها. فإذا كانت مرحلة التحرر الوطني قد أنجبت صفات المجاهدين والمقاومين وأعضاء جيش التحرير، ثم أفرزت مرحلة الصراع السياسي والاجتماعي صفات المناضلين والنقابيين والحقوقيين بوصفها عناوين لممارسة جماعية في سياقها التاريخي، فإن التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم تفرض إعادة التفكير في اللغة التي نصف بها الفعل الاجتماعي والسياسي والحقوقي.
فالصراع لم ينته، لكنه تغير في أدواته وفضاءاته وآليات اشتغاله. ولم تعد المواجهة تُحسم بمنطق القوة الصلبة وحدها، بل أصبحت تُدار، إلى حد بعيد، بمنطق القوة الناعمة التي نجحت في ضبط الفعل السلمي وتأطيره، وإعادة تشكيل شروطه ورموزه وأفقه. وفي المقابل، لم يعد الغضب يُمنع كلياً، وإنما يُترك له هامش مؤطر، يمارس داخله ما يمكن تسميته بـ"الغضب السائل"؛ غضب يتنفس داخل حدود مرسومة، ويُستوعب أكثر مما يُواجه، ويُدار أكثر مما يُقمع.
ومن ثم، فإن الإصرار على استنساخ أوصاف الماضي قد يحجب فهم تحولات الحاضر. فما تحتاجه هذه المرحلة ليس مجرد أسماء جديدة، بل مفاهيم جديدة تعكس انتقال الفعل من منطق التعبئة إلى منطق التأثير، ومن الاحتجاج التقليدي إلى إنتاج المعنى، ومن الصراع حول المواقع إلى الصراع حول السرديات، ومن منطق المواجهة إلى منطق الحوكمة الرشيدة وإعادة بناء الثقة.
واليوم، ما أحوجنا إلى فاعل توقعي لا يكتفي بقراءة التحولات، بل يستبقها بفكر نقدي وبقدرة على إنتاج البدائل. فاعل يجمع بين ثوابت المثقف العضوي في التزامه بقضايا المجتمع، واستقلاله الأخلاقي، وانحيازه للحق، وبين مرونة مهندس الثقة العمومية القادر على بناء الجسور، وإدارة الاختلاف، وصياغة التوافقات دون التفريط في المبادئ.
فالمستقبل لن يصنعه من يكتفي بالاحتجاج على الواقع، ولا من يكتفي بتبريره، وإنما من يمتلك القدرة على إعادة تشكيله عبر المعرفة، والحوار، والاقتراح، وإنتاج المعنى، وتحويل الثقة إلى رأسمال اجتماعي، في زمن تتنافس فيه السرديات أكثر مما تتواجه فيه القوى، وتصبح فيه معركة الوعي أهم من معركة المواقع، وصناعة البدائل أنجع من استهلاك الأزمات ، ولنحذر جميعا من الهيمنة الرمزية لبعض الكائنات الإنتخابية التي تتخفى وراء جبة المناضل مغترفين " جماهيريتهم " من وعاء ماض لا يريد أن يمضي ، فبهذا الإلتباس يخدمون فقط السردية الأمنية المنتجة لشرعيات مزيفة .






