الصحراء: يقع خطاب العرش، كما في سابقيه، في لحظة تتميز بكثافة غير مسبوقة، أو واردة في تاريخنا الحديث.
ولعله الخطاب الذي ينتظره المغاربة، نخبةً وجمهورًا، لالتقاط روح اللحظة. وهي لحظة تتميز بتطورات تنتظر اللمسات الأخيرة في الصحراء، تفصلنا عن موعدها الحاسم ثلاثة أشهر: (السيادة الترابية).. والديمقراطية تفصلنا عن موعدها أقل من شهرين: (السيادة الشعبية)، والتي ستفرز للمغرب حكومة سيكون أمامها قيادة تنفيذ الحكم الذاتي والمونديال.. وهي مناسبة للوقوف على حصيلة الدولة الاجتماعية (العقد الاجتماعي)، وقد مضت على إطلاقها عمليًا ولاية كاملة، ويفصلنا عن نهايتها ثلاثة أشهر كذلك، مع افتتاح البرلمان القادم، وأيضًا حصيلة المؤشرات الكبرى للطفرات العملاقة التي حصلت، مع مطالب العقد الاجتماعي الترابي الجديد والتي انطلقت قبل الحكومة لمدة 8 سنوات، ولكن الحكومة ستجدها أمامها، كما هو حال الدولة الاجتماعية بالنسبة للحكومة التي ودعناها..
قاريًا، يتزامن أيضًا، مع ثلاث لحظات في إفريقيا عرفت أحداثًا ملموسة، منها أساسًا الشروع إفريقيًا من خلال السيداو وأنبوب الغاز، إذ أصبح للحلم بنيته المادية التي تجعله ملموسًا (انظر رد الفعل الانفعالي لرئيس الجزائر)، ومنها أيضًا التعاون المغربي المالي كحلقة في إطار مبادرة فتح الطريق لدول الساحل، ومنها طريق تزنيت- الداخلة، والذي كان موضوع إعلان من الرئيس ترامب، وهو ما لن يغفله ملك البلاد في أهم خطاب في السنة. وليس مجاملة سياسية فقط، بل دخول الدعوة وإعلان الزيارة إلخ… وتقدم مشروع الواجهة الأطلسية… كلها عناصر تحول ومنعطف حاسم في المغرب والقارة…
هذه اللحظات التي نقف عند بعضها، هي الحاسمة في تقدير العبد الفقير لربه:
خطاب 31 أكتوبر 2025… وأكتوبر 2026: يحل عيد العرش ولم يتبقَ سوى 3 أشهر من سنة كانت مندورة لتنفيذ خطة الحكم الذاتي.
التحول الكبير على إثر القرار الملكي «قضية الصحراء هي النظارات التي ينظر بها المغرب إلى العالم» وقانون التغيير عوض التدبير حصل معه منعطفان:
الحكم الذاتي لم يعد مقترحًا بين المقترحات البديلة، بل أصبح هو المعيار الدولي للحل.
السردية المغربية أصبحت في قلب السردية الأممية، وفي قلب النظام الأممي.
قام المغرب بما يلزم، وجدد خطته وفصّلها وحيّنها وقدمها في الوقت المناسب. انطلقت جلسات فلوريدا ومدريد وواشنطن، تحت رعاية مزدوجة أمريكية أممية.
الواضح أن الطرف الآخر ساير صاغرًا، ولكنه بقي على ثوابته في اللعب على الوقت، وتغير أولويات دونالد ترامب (الحرب الإيرانية)، ومع المراهنة على صمود إيران، وقدرتها على التأثير في الملف.
اجتماع اللجنة الرابعة أعاد طهران ومواقفها من الانفصاليين وتبني الأطروحة من جديد، وهي آخر معاقل الدعم الرسمي لانفصال ولحلم الانفصال.
المطروح الذي لا هوادة فيه هو: الأمم المتحدة ومجلس الأمن مفروض أن يدافعا عن القرار وتنفيذه والانصياع إليه، وتحمل المسؤولية كاملة.
1-في الواقع، يجب أن يشرع المغرب في إنهاء حكاية اللجنة الـ24 وأسطورة إنهاء الاستعمار، التي تجعل قضيتنا هي القضية الواحدة الموجودة أمام هيئتين من هيئات الأمم المتحدة.
2-يجب أن يكون لموريتانيا الوضوح الكافي للخروج من الفخ الذي وضعتها فيه سياسة مداهنة الجزائر، فاليوم عندها نموذج مالي التي كانت تحت ضغط الجزائر بشكل أكبر، ولا تتورع في استعمال الإرهابيين والميليشيات المسلحة ضدها، ومع ذلك سحبت الاعتراف ودخلت في تعاون عميق أمني عسكري اقتصادي مع المغرب، ووضعت نفسها في المنطق الجيوستراتيجي الجديد الذي فتحته مبادرتا الملك: المبادرة الأطلسية وأنبوب الغاز الغرب-الإفريقي ومبادرة دول الساحل.
ثلاثة منطلقات توجد موريتانيا في قلبها، باعتبار موقعها على الوجهة الأطلسية وامتدادًا لجغرافيا الأنبوب الأطلسي، ومنفذًا من منفذ دول الساحل المجاورة لها على الأطلسي، علاوة على ما يهمها مباشرة هي والسنغال، وما يهمها من علاقات مع الدول الصديقة للمغرب في أوروبا: إسبانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، وهي دول حسمت الموقف من الصحراء.
المنطقي هو أن يتعامل الرئيس الموريتاني كما تعامل الرئيس الأمريكي والرئيس الفرنسي ورئيس الحكومة الإسبانية وغيرهم من الدول التي تربطها بالمنطقة روابط حاسمة، وأن يعلن الموقف الذي ينتظره المغاربة والموريتانيون، وينتظره الأفارقة غربًا وشرقًا.
3-موريتانيا أيضًا الطرف الرابع، وحيادها يفرض عليها الآن أن تساند القرار الأممي الواضح، والذي رسم الحل دوليًا. ولم يعد الخيار بين جارتين متنازعتين، بل أصبح بين منطق مغلق، حربي، يقترح استمرار الأزمة والاستثمار فيها مع تعقيدات المنطقة والعلاقات الدولية الحالية، وبين أفق مفتوح للدول المجاورة والعالم.
الانتخابات: هل ينقذ الملك المشاركة في الاقتراع؟
في خطاب 2025، كان الذي استأثر بالاهتمام هو الدعوة إلى وضع النصوص الكفيلة بتنظيم الانتخابات. والآن لا بد للملك أن ينقذ المشاركة السياسية، بالدعوة إلى تحفيز المغاربة، واستعمال وزنه الرمزي والثقة الجامعة في شخصه لتحفيز تعميق الديمقراطية وشرعيتها، وهو أول العارفين بما يريد منها.
هو يدرك أكثر من غيره أن جسد المؤسسة السياسية ليس أهلًا للثقة (قالها في خطاب 2017، بلغته المباشرة الصريحة). وهو ما يضع المشاركة في معادلة مفارقة: كيف ندعو المواطنين إلى المشاركة في وجود طبقة سياسية لا تحظى بالثقة؟
على كل حال، الدعوة يجب أن تذهب نحو الرفع من نسبة المشاركة، ومعها الرفع من منسوب جودة الاختيار، غير أن ما يزيد من تعقد المعادلة هو أن العزوف مزودج في الواقع: عزوف جماهيري، نعرفه جيدًا وكثيرًا ما تحدثنا عنه، وعزوف نخبوي، من مظاهره خروج النخب الاقتصادية والإدارية والتدبيرية والعلمية والفكرية من النقاش العمومي.
الثابت الديمقراطي هو رابع ثابت وآني، يسهر عليه الملك.
لسنا في مجال رصد كل ما قام به، من حماية اقتراع العهد الجديد من 2002، مع اختلاف ما يترتب عن ذلك سياسيًا، إلى 2007، وما عرفته من عزوف تطلب دعوته إلى المشاركة المكثفة، ولا حماية اقتراعين من درجة حرارة عالية، زلزلا التحول السياسي المغربي 2011 و2016… فنحن نستحضر حرصه على ديمقراطية منتجة، أخلاقية، بحكومة قيم قادرة على أن تحولها إلى رافعة تنموية.
وعلى ذكر النخبة، لا يمكن أن نظل في نفس التعامل الاختزالي مع الجالية، ولعل النسبة، الإعداد للانتخابات في إطار ضيق صارت تفرض تنزيل المقترحات الملكية حول مؤسسات الهجرة، ويحضر هنا خطاب 6 نونبر 2024، والذي دعا إلى تحول جديد في تدبير شؤون مغاربة العالم، عبر إعادة هيكلة المؤسسات المعنية، ولعل سنتين كافيتان لإحداث هندسة وعرضها على ملك البلاد في صيف المهاجرين هذا…
الدولة الاجتماعية: أية حصيلة وأي توجيهات جديدة؟
لعل الحصيلة التي قدمها والي بنك المغرب في آخر ولاية الحكومة تضع ملمحًا لما يجب أن تنكب عليه السنوات القادمة. كما أنها تعطي بالأرقام ما حصل في الجانب المتعلق بتدبير الدولة الاجتماعية ومآلات صندوق الدعم، والامتيازات التي حصل عليها.
ولعل السنة كانت أيضًا سنة إعداد للترسانة القانونية في محاربة الفساد، والباب مفتوح لمبادرات تتعلق بتضارب المصالح وتقنين السلوكات غير التنافسية، مع إثراء الأثرياء وتفقير الفقراء.
وحده الملك من لا يزال يتحدث عن الفقراء في لحظة تميل النخب السياسية إلى كلام عام وأملس عن الهشاشة والضعف وتآكل الطبقات.
هذه المواضيع لا يمكن أن تخفي عن بلادنا، المنجزات الحاسمة كذلك، سواء في التصنيع، والتواجد قارياً ودوليًا، ومسألة الحقوق والتقدم الحاصل فيها.






