فن وإعلام

التغيير في الاعلام معركة مستمرة في ذكرى المساري

جمال المحافظ (رئيس المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال)

إن التغيير في الصحافة والاعلام لا يتأتى بقرارات فوقية، بل هو معركة مهنية مستمرة، وأن المكتسبات لا تكون نهائية كذلك، بل تظل مفتوحة على كل الاحتمالات خاصة في مرحلة حاسمة يزيد من صعوبتها ما يعتمل من تحولات وطنية ودولية، وما تفرزه الثورة الرقمية من تحديات يومية، هذا ما جاء على لسان الصحافي والكاتب والنقابي والدبلوماسي والوزير محمد العربي المساري الذي حلت الذكرى الحادية عشرة لرحيله في 25 من يونيو 2015 .

فخلال الجمع العام الثالث للنقابة الوطنية للصحافة المغربية الذي انعقد سنة 1996 بالرباط، تحت شعار " احترام أخلاق المهنة وتحسين أوضاع الصحافيين، شرط للنهوض بالصحافة"، لازال من كان مشاركا في هذا الجمع ( المؤتمر ابتداء من سنة 2000 )، أن المساري (1936- 2015 ) ، شدد في معرض تقديمه للتقرير الأدبي ككاتب عاما للنقابة، على ضرورة قيام مقاولات إعلامية عصرية قوية، قادرة على إشباع حاجيات المتلقي بمعطيات تمكنه من التفاعل مع بيئته ومحيطه، وانطلاقا من ذلك فإن الأمر يتطلب التأسيس لإعلام متحرر ديناميكي معانقا للواقع، وأن الفاعلين بمختلف المواقع، مطالبين من جانبهم، باستيعاب معطى أن النهوض بالإعلام، يتطلب عصرنة المقاولات، وترسيخ الاحتراف، والالتزام بالمهنية حتى تقوم مقاولات إعلامية قوية، قادرة على إشباع المتلقي بمعطيات، تمكنه من التفاعل مع بيئته، وتكون بعيدة عن الوصاية والتوجيه الواحد.

الأخلاقيات أولا

فمنذ انتخابه كاتبا عاما للنقابة الوطنية للصحافة في 1993 سنة المناظرة الوطنية الأولى للإعلام والاتصال، الأولى والأخيرة لحد الآن، خلفا لمحمد اليازغي الذي كان قد اختير بالإجماع سنة 1984 حينما كان آنذاك مديرا لجريدة ” المحرر ” وذلك تضامنا، وشجبا لمصادرة هذا المنبر الصحفي، عمل المساري على جعل قضية أخلاقيات مهنة الصحافة، ضمن أولويات انشغالاته خاصة بعد المشاكل الناجمة عن تنامي ظاهرة ما سمي آنذاك “صحافة الرصيف”، التي كانت تغرق السوق المغربية بهذه الإصدارات، وهي أسبوعيات كان يضاف إليها دائما السياسي، وتختص في نشر موضوعات لا علاقة لها بالعمل بروح الصحافي المهني، معتمدة على اختلاق الأخبار، وإطلاق الإشاعات، والنهش في أعراض الناس، بالاعتماد على أسلوب الابتزاز والتضليل لخلق الضبابية في مجالات الصحافة والإعلام، وهذا ما كان يجعل الجميع أمام إرهاب من نوع جديد يمارس عن طريق هذا النوع من “الصحافة”، التي يعد شتم الأعراض والقذف والتشويه، سلاحها المفضل، فما أشبه الأمس باليوم وتلك قصة أخرى أشبه بقصص الخيال العلمي.

الموضوعية والنزاهة 

وفي ظل هكذا وضع، اهتدى المساري الذي يعد أب أخلاقيات المهنة، بحسه الإبداعي وباستقلالية الصحافي إلى إنشاء " لجنة آداب المهنة"، تتألف من شخصيات إعلامية مرموقة ذات مصداقية ووازنة، تتولى السهر على إعمال " ميثاق الشرف" الذي اعتمدته النقابة منذ ذلك التاريخ. ويضم تسعة بنود، مستمدة من المبادئ الكونية لحرية التعبير وحقوق الإنسان، وكذلك من مقومات العمل الصحفي الهادف إلى الإخبار الصادق والنزيه والموضوعي، مع الالتزام بواجب التضامن المهني.

إن من شأن التراث الغني – إن جرى الالتفات إليه واستثماره وتمثله مع ملائمته مع التحولات الراهنة في ظل تحديات ورهانات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، خاصة وأننا في زمن يلاحظ فيه تراجع مهول في منسوب الالتزام بقواعد النزاهة الفكرية والاستقلالية المهنية – أن يشكل أفضل نبراس يمكن أن تسترشد به الأجيال المتعاقبة ..

لقد ظل المساري، يراهن قيد حياته على الأدوار الحاسمة التي تضطلع بها الصحافة الاعلام، ويحث في هذا السياق على ضرورة القيام بإصلاح شمولي لهذا القطاع الحيوي الذي يصنع الرأي العام مع العمل على تكريس المهنية واحترام التعددية والشفافية والحكامة مع استيعاب التحولات الجارية ومتغيرات مزاج الرأي العام في مجالات الاخبار والتثقيف والترفيه.

ذكرى وقرار

وتتزامن ذكرى رحيل المساري، مع قرار تعيين " اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة" الذي يلاحظ بأنها تضم أعضاء كلهم ذكور، وهو ما يتنافى مع الدستور الذي ينص في الفصل 19 على سعي الدولة لتحقيق المناصفة بين الرجال والنساء، ومكافحة كل أشكال التمييز. كما لا يتلائم ذلك مع الاتفاقيات والإعلانات الدولية في طليعتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة اختصار ب" سيداو " والتي هي معاهدة دولية تهدف إلى تعزيز وحماية حق المرأة في المساواة، وكذلك اعلان ومنهاج عمل بيجين لسنة 1995 الذي يجسدان التزام المجتمع الدولي بتحقيق المساواة بين الجنسين.  

وعلاوة على ذلك، فإنه من بين ما يسجل على هذه اللجنة كذلك، التي تم تنصيبها وفق قانون " إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة الذي تم تمريره في الانفاس الأخيرة لولاية البرلمان، وسط انتقادات واسعة ليس فقط من طرف غالبية الهيئات التمثيلية للصحافة وحقوق الانسان، انفراد الحكومة من خلال رئيسها، بقرار تعيين ممثلين اثنين واحد عن ناشري الصحف و الثاني عن الصحافيين المهنيين، رغم ما يحظيان به من كفاءة ومصداقية، وهو ما يشكل سابقة في تاريخ ليس فقط التنظيم الذاتي للصحافة، ولكن في كافة المهن المدنية المماثلة. فهذه المرحلة "الانتقالية التي تسبق انتخاب مجلس وطني جديد"، لن تكون إلا انتكاسة أخرى، لمهنة من المفروض أن تكون ضمير الرأي العام، مهنة نبيلة تمارس وظائفها باستقلالية وحياد.

صحافي متميز

فالمناصب الكبرى والوظائف السامية والمسؤوليات في قيادة الحزب والنقابات والبرلمان وغيرها، لم تنل من تواضعه ودماثة خلقه، ولم تغير شيئا من طبعه فقد ظل إنسانا شغوفا بالعلم والمعرفة، وإعلاميا متميزا، وكاتبا لا يشق له غبار بأسلوب لا يضاهيه فيه أحد، يتسم بالبساطة والسلاسة في التعبير، والأخذ بتلابيب القارئ والاهتمام بالتفاصيل، وبالمنطق وبالحجة في الدفاع عن القضايا المغربية وعلى رأسها قضية الصحراء. ومع تعدد الواجهات التي خاض فيها نضالاته: الحزب والنقابة والاعلام والبرلمان والوزارة والسفارة وجمعيات المجتمع المدني، فإن الرجل استطاع أن يكسب احترام الجميع، ويتجنب الخصومة والعداء حتى مع من يعارضونه الرأي حسب ما جاء في تقديم كتاب ” محمد العربي المساري . في رحاب التاريخ ” الذي سبق أن أصدرته الجمعية المغربية للبحث التاريخي.

العربي المساري، كان صحافيا وإعلاميا مهنيا استثنائيا بامتياز، ورجلا ديمقراطيا مدافعا عن حرية الرأي والتعبير والصحافة، لازالت بصماته حاضرة في الوجدان الوطني الجمعي وساهم باقتدار في خدمة الوطن وقضاياه الحيوية، وهو ما جعله أيقونة الصحافة المغربية، في زمن اختلت فيه الموازين، وقل فيه الحكماء والنزهاء. وبصفة عامة تنطبق عليه ما سبق أن قاله عبد الرحمان اليوسفي ( 1924 – 2020 )، بأن " قوة الأمم تكمن في تصالحها مع ماضيها وحاضرها وفي حسن قراءته حتى يسهل عليها بناء المستقبل بأكبر قدر من النجاح التقدم”.

انتاج غني

المساري الذي رأى النور بتطوان في الثامن من يوليوز 1936، درس مرحلتي الابتدائي والثانوي في تطوان وطنجة وغرناطة، تميز مساره الإعلامي والثقافي، أولا بحصوله على دبلوم من معهد التدريب الإذاعي بالقاهرة سنة 1957 قبل أن يلتحق سنة 1958 بالإذاعة الوطنية كمنتج 1964 عين سكرتير قسم الإنتاج بالإذاعة الوطنية، وفي يناير 1964 التحق بجريدة "العلم" كمحرر بها، ثم رئيسا للتحرير. في سنة 1982 عين مديرا لجريدة "العلم" لسان حزب الاستقلال. وسنة 1992 انتخب نائبا رئيس اتحاد الصحافيين الأفارقة . 

ما بين 1996 و1998، انتخب نائبا لرئيس لاتحاد الصحافيين العرب، وعضو بأمانته العامة منذ سنة 1969. كما كان كاتبا عاما للنقابة الوطنية للصحافة المغربية في جمعها العام سنتي 1993 و1996 والى غاية 1998. وانتخب رئيسا للجمعية المغربية للصحافيين للكتاب باللغة الإسبانية خلال تأسيسها.كما اختير كاتبا عاما لاتحاد كتاب المغرب لمدة ثلاث ولايات سنوات 1964 و1969 و1972 ، وكذلك كان كاتبا عاما مساعدا للجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني.

وعلى المستوى السياسي التحق العربي المساري في فبراير 1965 بالمجلس الوطني لحزب الاستقلال خلال مؤتمره السابع، وانتخب سنة 1965 باللجنة المركزية لحزب الاستقلال، وذلك قبل أن ينتخب لأول مرة في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال سنة 1974. وانتخب سنة 1984 نائبا في مجلس النواب، ورئيسا للفريق النيابي للوحدة والتعادلية. وعين سفيرا للمغرب بالبرازيل ما بين أكتوبر 1985 ويوليوز 1991.

من مارس 1998 إلى سبتمبر 2000 كان وزيرا للاتصال بالنسخة الأولى بالحكومة التي تولى مسؤولية قيادتها الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. 

من مؤلفاته، كلا من "معركتنا العربية ضد الصهيونية والامبريالية" ( بالاشتراك ) سنة 1967، "مع فتح في الأغوار "سنة 1969 ، "جدل حول العرب" سنة 1973، "المغرب/ اسبانيا في آخر مواجهة – عن قضية الصحراء " سنة 1974 ، "الأرض في نضالنا السياسي بعد الاستقلال" سنة 1980، "صباح الخير أيتها الديمقراطية" سنة 1985، " إسلاميات أدباء المهجر" سنة 1989 ، "الإعلام المغربي من الخصاص إلى الكفاءة" سنة 1992، " المغرب بأصوات متعددة" 1996 ثلاث طبعات و"المغرب ومحيطه" في جزأين سنة 1998. 

كما له مؤلفات "قضف والواد الناشف" 2001، " 30سنة مسيرة" سنة 2005 ، "محمد الخامس من سلطان إلى ملك"، ثلاث طبعات 2009 و2010 و2011 ، المغرب خارج سياج الحماية" ، "رياح الشمال" و "ابن عبد الكريم الخطابي، من القبيلة إلى الوطن" سنة 2012 .