شهد الاقتصاد الوطني على مدى السبعة والعشرين عاما الماضية تحولا هيكليا عميقا، أخرجه من نطاق الاعتماد التقليدي على الفلاحة والقطاعات الأولية ليدخله مرحلة جديدة تتسم بالتنوع والانفتاح والقدرة على التكيف مع الهزات العالمية والتغيرات المناخية. وتتجلى هذه الدينامية في مضاعفة الناتج الداخلي الخام عدة مرات مقارنة ببدايات الألفية الحالية، مدعوما بجهود استثمارية عمومية غير مسبوقة ركزت على إرساء بنيات تحتية استراتيجية شملت توسيع شبكات الطرق السيارة والممرات المائية وتطوير القطارات فائقة السرعة والشبكات اللوجستيكية الحديثة والمطارات .. وقد تزامنت هذه الطفرة مع إصلاحات مؤسساتية ومالية وتجارية عميقة عززت استقرار الاقتصاد الكلي، ورسخت موقع المغرب كشريك اقتصادي موثوق على الصعيدين الإقليمي والدولي ومحطة جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة .
وقد أثمرت السياسات الصناعية المعتمدة خلال العقدين الأخيرين بروز قطاعات واعدة ذات قيمة مضافة عالية، وفي مقدمتها صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية، حيث نجح المغرب في إعادة تشكيل سلة صادراته التي كانت تعتمد أساسا على الفوسفاط والمنتجات الفلاحية. وتتجسد هذه الريادة بشكل جلي في قطاع السيارات الذي جعل من المغرب المنتج الأول على مستوى القارة الإفريقية، بوجود أكثر من 250 مقاولة صناعية توفر قرابة 220 ألف فرصة عمل مباشرة، وتتجاوز صادراتها 16 مليار دولار ليتصدر بذلك القاطرة التصديرية للبلاد .
ويعود هذا التموقع الاستثنائي إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى اعتمدت على إحداث بنيات عالمية المعايير مثل ميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية المدمجة، فضلا عن توظيف الاستقرار السياسي وتوسيع شبكة اتفاقيات التبادل الحر وتأهيل الرأسمال البشري .. غير أن الحفاظ على هذه التنافسية يستدعي الانتقال إلى جيل جديد من الإصلاحات يقوم على رفع نسبة الإدماج الصناعي المحلي وتحفيز البحث والتطوير والابتكار، بالإضافة الى تسريع التحول نحو صناعات السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دعم اندماج المقاولات الوطنية في سلاسل القيمة العالمية وتحسين مناخ الأعمال، للتحول من مجرد قاعدة للإنتاج إلى مركز متكامل للابتكار والتصنيع عالي القيمة .
وفي هذا السياق؛ يتقاطع هذا المسار التنموي بشكل وثيق مع توجهات النموذج التنموي الجديد، ولا سيما فيما يتعلق بتسريع التصنيع وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية وترسيخ الانتقال الرقمي والطاقي. إذ لم يعد الرهان محصورا في تحقيق معدلات نمو نمطية، بل يتعداه إلى ضمان نمو أكثر إدماجا ينعكس مباشرة على التشغيل وتحسين الدخل وتحقيق العدالة المجالية .. وتعد الاستراتيجية الرقمية نموذجا لهذا التوجه، باستهدفها إحداث خمسون ألف منصب شغل في مجالات الذكاء الاصطناعي وتكوين مائتا ألف كفاءة رقمية بحلول عام 2030 لتصبح الرقميات قاطرة رئيسية لإنتاج الثروة .
كما تكتسي المرحلة المقبلة كذلك أهمية بالغة بالنظر إلى تلاقي الأوراش الكبرى المتعلقة بالسيادة الطاقية والصناعية مع التجهيزات الضخمة المرتبطة باستضافة تظاهرات عالمية في مقدمتها كأس العالم 2030، ولا تتوقف آثار هذه المشاريع عند البعد الرياضي، بل تمتد لتحدث نقلة نوعية في شبكات النقل والسكك الحديدية والمطارات والمنشآت اللوجستية والسياحية، بما يعزز تموقع المغرب كجسر اقتصادي حيوي بين إفريقيا وأوروبا وباقي دول العالم .
إن تنويع مصادر النمو بين الصناعة المتطورة والطاقات النظيفة والاقتصاد الرقمي والسياحة والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية، يمنح الاقتصاد الوطني مناعة أكبر ضد التقلبات المناخية والجفاف والسياق الدولي المتسم بعدم اليقين. ويتوقف نجاح هذا المسار التنموي وتجاوز التحديات البنيوية للعقد المقبل على مدى الاستمرارية في إنفاذ الإصلاحات الهيكلية ، وتشجيع المقاولة والابتكار وتحويل هذه الأوراش الكبرى إلى فرص فعلية لخلق مناصب الشغل وتحقيق التنمية المستدامة .






