قضايا

الذكرى 27 لعيد العرش.. حرص ملكي على توطيد الاختيار الديمقراطي

حسن عبد الخالق (سفير سابق)

يحتفل الشعب المغربي في الثلاثين من هذا الشهر بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد ، في غمرة الاستعدادات لانتخاب أعضاء مجلس النواب الجديد في 23 شتنبر المقبل، ضمن مسار الاختيار الديمقراطي لبلادنا ومواصلة تقوية مقومات استقرارها وتنميتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

 

الاختيار الديمقراطي من الثوابت الوطنية

 

وستشهد بلادنا في شتنبر المقبل سادس انتخابات لمجلس النواب في عهد الملك محمد السادس، مما يدل على حرصه على انتظام إجراء هذه الانتخابات في مواعيدها الدستورية ، بهدف تعزيز شرعية المؤسسة التشريعية وتمكينها من القيام بدورها في التشريع ومراقبة العمل الحكومي ونجاعة السياسات العمومية.

 

وأصبح الاختيار الديمقراطي في عهد الملك ،بموجب دستور سنة 2011 ضمن الثوابت الأربعة الجامعة، التي تستند إليها الأمة المغربية في حياتها العامة، ونصت الوثيقة الدستورية أيضا في الفصل 41 على أن  الملك هوالمؤتمن على الخيار الديمقراطي وعلى حسن سير المؤسسات الديمقراطية.

 

واستحضر الملك منذ اعتلائه العرش أهمية ورش البناء الديمقراطي لبلادنا ،لتقوية أدوار الفاعلين السياسيين والمؤسسات المنتخبة ،بتوجيهاته لإصدار عدد من القوانين التي تهم تنظيم الأحزاب السياسية وانتخاب المجالس في المستويات المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية.

 

دور الأحزاب في النظام الديمقراطي

 

وتعد الأحزاب من أهم ركائز النظام الديمقراطي وخصها دستور 2011 بأدوار أساسية في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي و تعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية و تدبير الشأن العام والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب الديمقراطي، بالوسائل الديمقراطية وفي نطاق المؤسسات الدستورية.

 

وتضطلع الأحزاب أيضا بتكوين نخب سياسية قادرة على تحمل المسؤولية و اقتراح الحلول للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية و المساهمة في النقاش العمومي حول السياسات العامة، فضلا عن قيامها من موقع المعارضة، بمراقبة عمل الحكومة ومحاسبتها.

 

وفي هذا الشأن دعا الملك الأحزاب إلى تجديد أساليب عملها والارتقاء بمستوى الخطاب السياسي ، بعيدا عن المزايدات، على أن تقدم مرشحين ، تتوفر فيهم شرو ط الكفاءة والنزاهة ، وروح ا لمسؤولية والحرص على خدمة المواطن ،و أن تتقدم إلى المواطنين في الاستحقاقات الانتخابية ببرامج واقعية قائمة على الوضوح والجدية وحلول قابلة للتطبيق للمشاكل الحقيقية للمواطنين، مع الابتعاد عن الوعود الزائفة والتنافس السلبي.

 

ودعا  أيضا النخب السياسية والأحزاب إلى "الصدق في الخطاب السياسي، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين السياسيين، بما يجعل الجميع شركاء في خدمة الوطن".

 

توجيهات ملكية لتخليق المسلسل الانتخابي

 

وتتعزز مصداقية الاستحقاق الانتخابي وتخليقه بالدور الفعال للناخب ، بحرصه على ممارسة حقه الدستوري في التصويت الحر، بعيدا عن أية إكراهات مادية أو معنوية، على المرشح الذي يراه جديرا بثقته، وأن يتحمل مسؤوليته، في اختيار ومحا سبة المنتخبين.

 

وحفاظا على حرمة التصويت، سبق للملك أن وجه في أحد خطبه نداء إلى المواطنين ،مؤكدا فيه إن التصويت حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة عليهم أداءها، فهو وسيلة بين أيديهم لتغيير طريقة التسيير اليومي لأمورهم، أو لتكريس الوضع القائم، جيدا كان أو سيئا. 

 

واعتبر الملك إن" التصويت لا ينبغي أن يكون لفائدة المرشح الذي يكثر من الكلام، ويرفع صوته أكثر من الآخرين، بشعارات فارغة ، أو لمن يقدم بعض الدراهم، خلال الفترات الانتخابية، ويبيع الوعود الكاذبة للمواطنين"، مشددا على أن "هذه الممارسات وغيرها ليست فقط أفعالا يعاقب عليها القانون، وإنما هي أيضا تعبير صارخ عن عدم احترام الناخبين. لذا، فإن التصويت يجب أن يكون لصالح المرشح، الذي تتوفر فيه شروط الكفاءة والمصداقية، والحرص على خدمة الصالح العام". 

 

وعلى المواطن الذي ينشد إصلاح أوضاعه التوجه في الانتخابات المقبلة إلى صندوق الاقتراع وحماية ذمته وقراره الحر في اختيار من يراه مؤهلا لتدبير الشأن العام ،لأن من يبيع صوته بالمال يتنازل تلقائيا عن حقه في مساءلة ومراقبة المنتخبين لاحقا.

 

واستعدادا للاستحقاق الانتخابي المقبل، أعدت وزارة الداخلية، تنفيذا للتوجيهات الملكية ، بعد مشاورات مع الأحزاب السياسية ،المنظومة العامة المؤطرة لانتخابات مجلس النواب ،التي صادق عليها البرلمان قبل نهاية السنة الماضية، بهدف تخليق العملية الانتخابية خلال مختلف مراحلها وتوفير آليات لتعزيز تمثيلية الشباب في مجلس النواب المقبل.

 

والمؤكد أن سلامة الانتخابات المقبلة وعدم إفسادها بشراء الضمائر وبممارسات أخرى، تتطلب أن يتحمل كل الفاعلين في العملية الانتخابية مسؤولياتهم، بما يحفز الناخبين على المشاركة في التصويت والحد من نسبة العزوف الانتخابي وضمان نزاهة الانتخابات لإفراز مؤسسة تشريعية ذات مصداقية، تعزز الخيار الديمقراطي في بلادنا.

 

وثبت أن الفساد الانتخابي، الذي يضعف مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين ويقوض حرية اختيار الناخبين ،يؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة، بوصول ممثلين قد لا يعكسون الإرادة الحقيقية للناخبين ،ويضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة ويؤثر سلباً على التنمية وجودة السياسات العمومية ويشكل مدخلاً لأنواع أخرى من الفساد، بمحاولة من يصل إلى المنصب بوسائل غير مشروعة إلى استغلال السلطة لتحقيق منافع خاصة.

 

توطيد الثقة في المؤسسات

 

وبالمقابل سيؤدي ضمان نزاهة الانتخابات المقبلة إلى تعزيز الثقة في المسلسل الانتخابي وما يفرزه من نتائج غير معرضة للتشكيك ويوطد أيضا الثقة في ما سينبثق من الانتخابات من مؤسسات ذات مصداقية ،من شأنها أن تقوم بدورها إلى جانب المؤسسات الأخرى ،في ظل الاختيار الديمقراطي وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال القضاء، وتقوية دور المجتمع المدني وحرية الإعلام، لخدمة مصالح الوطن، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويحد من استغلال النفوذ والريع وتضارب المصالح والزبونية ويوفر بيئة أفضل لحسن تدبير المال العام ويعزز صورة بلادنا في المنتظم الدولي ، بصفتها شريكا موثوقا في علاقاته مع الدول ، من أجل التعاون و الأمن والاستقرار والتنمية.

 

ظرفية خاصة لاقتراع 23 شتنبر

 

وتجري انتخابات 23 شتنبر في ظرفية مطبوعة بانتصار الشرعية الدولية ،ممثلة في قرار مجلس الأمن 2797،لمبادرة بلادنا بشأن تمكين الأقاليم الجنوبية من نظام الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لطي النزاع الإقليمي المفتعل حول قضية الصحراء، فضلا عن مواصلة الإصلاحات للتغلب على الأعطاب والتحديات القائمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، مما يتطلب تشكيل قوية منبثقة من شرعية صناديق الاقتراع، من مهامها العمل على تنزيل نظام الحكم الذاتي والتجاوب مع انتظارات المواطنين في إصلاح قطاعي التعليم والصحة، في إطار صيانة المرفق العمومي ، وخفض معدل البطالة ،خصوصا لدى الشباب ومحاربة الفقر والهشاشة الفقر وحماية القدرة الشرائية وتقليص الفوارق الاجتماعية والتصدي للريع والفساد وتضارب المصالح ومواصلة تحسين وتيرة النمو، والحرص على جودة وفعالية السياسات العمومية ،بما ينعكس إيجابيا على أوضاع المواطن والانخراط بجدية في تنفيذ توجيهات الملك في خطاب الذكرى الماضية لعيد العرش ،التي أكد فيها أنه "لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين".

 

كما أن الحكومة المقبلة مدعوة إلى مواصلة العمل لتحقيق المكتسبات التي تعزز تطلع بلادنا إلى الارتقاء إلى دولة صاعدة اقتصاديا واجتماعيا ، ولها القدرة على تنفيذ المخططات لامتلاك مقومات السيادة الوطنية ،في أبعادها الصحية والطاقية والصناعية والغذائية.

 

ويشكل اقتراع 23 شتنبر فرصة سانحة لتعزيز الاختيار الديمقراطي ،الذي جعله الملك ثابتا وطنيا ، لبناء المغرب ،أرضا وشعبا، على أسس الاستقرار والديمقراطية والتضامن والتنمية.