قضايا

كلام لن يعجب البعض لكن لا بد منه

لحسن العسبي (كاتب)

أتتبع مثل غيري منذ أيام الحملة التواصلية التي تقودها جهة سياسية محددة (من بقايا التوجه الماركسي اللينيني هنا وهناك، بعضها داخل المغرب وبعضها خارجه، بعضها من أنصار جبهة البوليزاريو وبعضها ممن يستعملهم ورقة ضغط ومزايدة على المغرب)، مرتبطة بممارسة سجين مغربي من أصول صحراوية حقه في الإضراب عن الطعام بالسجن المركزي بالقنيطرة المحكوم ضمن ما يعرف بملف أكديم إيزيك، للمطالبة بجملة مطالب تتعالق مع طبيعة القانون المنظم لنظام السجن..

كان طبيعيا في ملفات مماثلة أن تقع مزايدات تواصلية غايتها التهويل كوسيلة للضغط (والتشهير أيضا)، وكانت مؤسسات الدولة في امتحانِ دُرْبَةٍ لاحتواء كل الإسقاطات الحقوقية المرتبطة بالواقعة.. مثلما كان هناك تضارب معلومات وحرب أخبار زائفة مفهومة أسبابها على كل حال. فنحن كمغاربة (أمة ودولة ومجتمع) في مرحلة متقدمة دقيقة من معركتنا الوطنية لإنهاء استرجاع صحراءنا الغربية ضمن مسيرة نضالية طويلة ومكلفة لاستعادة وتحرير كل أراضينا المغتصبة التي توزعتها قوات استعمارية متعددة..

بالتالي، نحن لسنا في خصومة على مستوى ضميرنا الجمعي الوطني مع منظومة حقوق الإنسان بمرجعياتها العالمية، لأننا نحن أهل حق ولسنا الجلاد، بل نحن الضحية التي اغتصبت حقوقها الترابية منذ عقود.. مثلما ندرك أننا ضمن معركتنا القانونية والسياسية بهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بكل الأثقال التي يفرضها ميزان القوى العالمي وآليات تصريف المصالح الكبرى بين القوى العالمية بمنطقتنا المغاربية والغرب متوسطية والغرب إفريقية، قد دخلنا مرحلة دقيقة وصعبة ضمن مسيرتنا النضالية الوطنية التحررية (بروح ثورة الملك والشعب) لإنهاء ملف صحراءنا الغربية سياسيا وقانونيا بما يرسخ ويعزز وحدتنا الترابية ووحدتنا الوطنية كأمة..

الأمر الذي يفرض وجوبا على كل ضمير حي أن يُنَسِّبَ الأخبار والأحداث بأن يضعها ضمن سياقها الطبيعي وأن لا يعطيها أكثر من حجمها، لأنها جزء من هجوم أكبر منظم يستهدف المغرب والمغاربة في حقوقهم ووجودهم كأمة ودولة ويستهدف الإساءة إلى صورتهم أمام العالمين.. وتلك معركة قدرنا أن نربحها مهما كان الثمن..

إن الأخبار والوقائع تكتسب قوتها من مصداقيتها. وواقعة السجين المغربي من أصول صحراوية إنما هي جزء من معركة صورة ومعركة حقوقية المغرب والمغاربة كأمة هم الضحية فيها وليس المعتدي. إذ علينا أن لا نُسقِطَ من عناصر الخبر (حتى يستقيم كخبر ويمتلك كامل عناصر مصداقيته) أن السجين ذاك من مجموعة مارست همجية غير مسبوقة بمقاييس حقوق الإنسان عالميا. 

ما الدليل على ذلك؟. 

الدليل ما تقدمه الوقائع الموثقة بالصور والفيديوهات، التي نكتفي منها بما يلي:

- كانت هناك عناصر مسلحة بأسلحة بيضاء وقنينات غاز حولت مخيم مواطنين صحراويين كانت مطالبهم اجتماعية في البداية إلى "رهينة" مثلما يحدث في كل جريمة لسرقة بنك أو متجر (سياسي).

- أن لائحة القتلى بعد المواجهات (11 شهيدا) كلهم من مؤسسات عمومية للمساعدة والإغاثة والحماية مغربية. ولم يسجل قتيل واحد أو مصاب واحد في الجهة المهاجمة.

- كل الشهداء المغاربة الذين قتلوا غيلة ليسوا من حملة السلاح، بل أغلبهم من عناصر الوقاية المدنية والصحة.

- لم يحدث قط أن شوهد مجرم يتبول على جثة قتيل كما حدث في تلك الصبيحة الحزينة. وحدهم الصهاينة من قاموا ويقومون بأفعال مماثلة بكل ما يتصفون به من وضاعة ضد الفلسطينيين الأبطال والأحرار فعلا..

إن الخلاصة هي أن لنضالية المغاربة (الدولة والأمة والشعب) ثمنا، هذا جزء منه. وليحمد الله بعض المجرمين ممن يتبلون على الجتث أنهم في المغرب الذي تحترم فيه مؤسساتها مسؤوليتها بمنطق الدولة والقانون وليس بمنطق الإنتقام (في ليبيا القذافي أو عراق صدام حسين أو سورية الأسد أو جزائر شنقريحة كانت الأمور ستأخد مجرى آخر للعقاب).

ولأن الشئ بالشئ يذكر (مع الإختلاف الهائل في السياقات ومعدن الرجال)، يحضرني نقاش جمعني مرة بالمناضل اليساري والإتحادي إبراهيم أمسليل (الشهير بالحلاوي) رحمه الله، الذي كان محكوما بالإعدام من ضمن مجموعة شيخ العرب الإتحادية المسلحة منذ سنة 1967 حتى سنة 1980. جمعني به في بيت والدي رحمه الله، فهو صديقه ورفيقه، حيث سألته سؤالا صحفيا وفضوليا:

- لماذا لم ينفذ فيك حكم الإعدام وبقيت 13 سنة تنتظر تنفيذه فيك كل صباح، حيث يأتيك حراس السجن بالتمر والحليب كل فجر كما جرت العادة ضد المحكومين بالإعدام؟

أجابني بجواب أعترف أنه صدمني لمعرفتي بقصة حياة الرجل ومواقفه السياسية. حيث قال لي بالحرف:

- لأن الحسن الثاني رجل.

قلت له:

- كيف ذلك؟

فأجاب:

- الحسن الثاني له أخلاق الملوك والسلاطين وأخلاق الفرسان، فهو لا يعدم سجينا معطوبا.

كان أمسليل إبراهيم الحلاوي قد أصيب في وركه برصاصتين أثناء المواجهة مع الشرطة صيف 1964 لاعتقاله بأحد المنازل بحي درب ميلا بالدار البيضاء (عمر بن الخطاب اليوم)، مما تطلب نقله للمستشفى وإجراء عملية جراحية قطع له فيها جزء من ساقه الأعلى، فسار يعرج..

المغرب دولة والمغاربة رجال وسينتصرون في معركتهم الوطنية التحررية لاستعادة كل أراضيهم التي اغتصبها منهم الإستعمار..

(للإشارة أكد أكثر من مصدر موثوق أن السجين المغربي من أصول صحراوية قد أوقف إضرابه عن الطعام، لأن الغاية الإعلامية منه قد تحققت بالنسبة له ومن معه).. 

هي معركة قدرنا أن نواجهها، وسنظل نواجهها بشرف الرجال..

لسنا الجلادين كمغاربة بل نحن الضحايا تأسيسا على كل المبادئ التحررية لمنظومة حقوق الإنسان العالمية..