قضايا

هل نحن أمام تنظيم للمسؤولية أم تضييق على حصانة الدفاع؟

فاطمة الزهراء الابراهيمي (المحامية بهيئة المحامين بالدارالبيضاء)

قراءة في المادة 94 من قانون المسطرة المدنية

قد تبدو المادة 94 من قانون المسطرة المدنية عند القراءة الأولى، مجرد مقتضى إجرائي يروم الحفاظ على هيبة القضاء وضبط ما قد يقع داخل الجلسة من تجاوزات. 

غير أن القراءة المتأنية تكشف أنها تتجاوز مجرد تنظيم المسؤولية لتثير إشكالا عميقا يتعلق بحدود حرية الدفاع وبالضمانات التي يفترض أن تحيط بالمحامي أثناء ممارسته مهامه .

فقد نصت المادة على أنه إذا صدرت أمام القضاء أقوال أو أفعال تتضمن سبا أو قذفا أو إهانة من شخص له حق تمثيل الأطراف بحكم مهنته، يحرر كاتب الضبط بأمر من رئيس الجلسة، محضرا يوجه إلى النيابة العامة، وإذا تعلق الأمر بمحام، يوجه إلى نقيب الهيئة والوكيل العام للملك.

ولا خلاف في أن المحامي، شأنه شأن غيره، ليس فوق القانون، وأنه يظل مسؤولا عن أي تجاوز يخرج عن مقتضيات الدفاع المشروع. 

لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ المسؤولية، وإنما في غياب الحدود الفاصلة بين المسؤولية المشروعة وبين المساس بحصانة الدفاع.

ذلك أن المادة لم تضع أي معيار موضوعي يميز بين السب أو القذف أو الإهانة، باعتبارها أفعالا مجرمة، وبين العبارات الحادة أو الانتقادات القانونية التي قد يفرضها واجب الدفاع، والتي تستهدف مناقشة الوقائع أو الأدلة أو الإجراءات، لا النيل من الأشخاص.

وهنا يبرز أول مكمن للخطورة، لأن النص ترك هذا التقدير لمفهوم فضفاض دون ضوابط تشريعية واضحة، الأمر الذي يجعل المجال واسعا أمام اختلاف التأويلات.

ويزداد الإشكال عمقا عندما نلاحظ أن تحرير المحضر يتم بأمر من رئيس الجلسة، أي إن السلطة التي تدير النقاش داخل الجلسة، وتتفاعل معه لحظة بلحظة، هي نفسها التي تقدر أن ما صدر يشكل إهانة أو قذفا أو سبا، وتأمر بتحريك المسطرة التي قد تفضي إلى متابعة تأديبية وفق قانون غ المحاماة و يمكن ان تمتد لمتابعة زجرية حسب فصول القانون الجنائي .

فهل ينسجم ذلك مع مبدأ الحياد!؟؟

عندما يكون من يقدر وقوع الواقعة هو نفسه من يأمر بتحرير المحضر الذي سيؤسس لاحقا للمتابعة؟

إن الأمر لا يتعلق بالتشكيك في علاقة الدفاع بالقضاء، وإنما بضمانات المحاكمة العادلة، التي تقوم، في جوهرها، على الفصل بين سلطة إدارة الجلسة وسلطة تقدير المسؤولية الجنائية.

وقد يقال إن المادة لا ترتب أي عقوبة مباشرة، وإنها لا تعدو أن تكون وسيلة لإحالة الواقعة على النيابة العامة، وهي صاحبة الاختصاص في تقدير المتابعة. غير أن هذا الدفع يغفل الأثر الحقيقي للنص.

فالخطر لا يكمن في عدد المتابعات التي قد تنتهي إليها هذه المحاضر وإنما في الأثر الردعي الذي ستحدثه في وجدان المحامي وهو يؤدي رسالته.

فالمحامي لن ينشغل فقط بصياغة دفوعه وفق القانون، وإنما سيجد نفسه مضطرا إلى مراقبة كل لفظ، وكل تعبير، وكل انتقاد يوجهه، خشية أن يفسر بأنه تجاوز لحدود الاحترام الواجب للمحكمة أو للأطراف.

وهكذا تنتقل الرقابة من خارج المحامي إلى داخله، وتتحول حرية الدفاع إلى دفاع يمارس تحت هاجس المتابعة، لا تحت مظلة الحصانة…وهذا هو أخطر ما في المادة.

فحصانة الدفاع ليست امتيازا شخصيا للمحامي، ولا حماية لفرد يمارس مهنة، وإنما هي ضمانة دستورية مقررة لفائدة المتقاضي، حتى يتمكن دفاعه من أداء رسالته بكل استقلال وجرأة، ودون خوف من أن تتحول المرافعة إلى مصدر للمساءلة كلما كانت قوية أو حازمة أو صادمة للخصم.

وفي الأنظمة القانونية التي ترسخ حصانة الدفاع، لا تقاس الأقوال الصادرة أثناء المرافعة بمعيار الشخص العادي، وإنما بمعيار الوظيفة التي يؤديها المحامي باعتباره شريكا في تحقيق العدالة، لا خصما للمحكمة.

ومن ثم، فإن أي نص يروم تنظيم المسؤولية المهنية داخل الجلسة، كان يتعين أن يقرنها بضمانات دقيقة، تحدد على نحو واضح متى نكون أمام إساءة شخصية تستوجب المساءلة، ومتى نكون أمام دفاع مشروع، ولو كان شديد اللهجة أو قاسيا في نقده.

أما الاكتفاء بصياغة عامة، مع إسناد سلطة المبادرة بتحريك المسطرة إلى رئيس الجلسة، فإنه يفتح الباب أمام تضييق غير مباشر على حرية المرافعة.

وقد يتمسك البعض بأن المادة أوجبت إشعار نقيب الهيئة، وكأن ذلك يشكل ضمانة إضافية.

غير أن الحقيقة القانونية هي أن دور النقيب، وفق الصياغة الحالية، لا يتجاوز الإخبار، ولا يملك وقف المسطرة أو الحيلولة دون إحالة المحضر على النيابة العامة، ومن ثم فإن وجوده لا يغير من الطبيعة القانونية للإجراء، ولا يشكل ضمانة حقيقية تكفل حماية حصانة الدفاع.

إن المادة 94، وإن لم تعاقب المحامي مباشرة فإنها تضعه في دائرة تهديد دائم بالمتابعة، كلما قدر رئيس الجلسة أن حدود المرافعة قد تم تجاوزها، دون أن يكون القانون قد رسم تلك الحدود بدقة.

ان استقلال القضاء واستقلال الدفاع ليسا مبدأين متعارضين، بل هما ركيزتان متكاملتان للعدالة. 

وكل اختلال في التوازن بينهما لا ينعكس على المحامي وحده، بل يمتد أثره إلى المتقاضي، الذي قد يجد نفسه أمام دفاع مقيد بالخوف، لا محكوما بسلطان القانون و هذه انتكاسة تشريعية كانت تستوجب تدخل المحكمة الدستورية لضبط المفاهيم و علاقة الدفاع بالقضاء 

و ماكان على المشرع المغربي ان يوجد هذه الهوة التي لن تنال من علاقة المحاماة بالسلطة القضائية و انما للأسف خلقت شبهة لم تكن ابدا بين جناحي العدالة .