صحة وعلوم

الانتظار عقيدة في المستشفيات العمومية

بشرى كنوز

يبدو أن الدخول إلى مستشفى عمومي في المغرب يشبه إلى حد بعيد الولوج إلى إحدى روايات فرانتس كافكا؛ حيث العبث سيد الموقف، والانتظار عقيدة، والألم مجرد رقم يضاف إلى طوابير لا نهاية لها. 


نتحدث كثيراً عن الأوراش الكبرى والبنيات التحتية، لكن عندما يتعلق الأمر بالجسد المغربي، نكتشف أننا ما زلنا نضمد جراحاً غائرة بوعود وردية لا توقف نزيف الواقع، فالمستشفى العمومي قد تحول بمرور الوقت إلى فضاء مخصص لإدارة الموت البطيء أو لاختبار قدرة المواطن البسيط على التحمل، في ظل نقص حاد في الأدوية وأجهزة معطلة وكسور بيروقراطية وكوادر طبية منهكة تعمل في ظروف أقرب إلى طب الحروب، بينما تتناسل المصحات الخاصة في الجهة المقابلة كفنادق خمس نجوم يتم فيها تسليع الألم بدم بارد، ليتوقف قسم أبقراط عند عتبة شيك الضمان، وليتحول المواطن المريض من إنسان يحتاج للرعاية إلى ززبون يُعصر حتى آخر درهم في حسابه.


تتعمق المأساة حين تتكشف جغرافيا الحظ التي تربط فرصتك في الحياة ارتباطاً وثيقاً برمزك البريدي، فأن تُصاب بجلطة أو نزيف في قرية نائية في الأطلس يختلف تماماً عن أن تُصاب بهما في حي راقٍ بالرباط، إذ تلعب العدالة المجالية الغائبة دور عزرائيل الصامت عبر مستوصفات قروية مغلقة بأقفال صدئة وممرض يواجه لدغات العقارب وحالات الولادة المتعسرة بحبة أسبرين وميكروكروم، لتصبح مشاهد الموت على قارعة الطرق في سيارات إسعاف مهترئة مجرد تفاصيل عادية في نشرة يومية بلا صدى. 


ورغم النوايا الحسنة وراء ورش تعميم التغطية الصحية، إلا أن التنزيل على أرض الواقع يصطدم بجدار كافكاوية المواعيد، حيث يُترك مريض بالسرطان ينتظر موعداً لجهاز الفحص المغناطيسي لثمانية أو عشرة أشهر، وكأن الإدارة تهمس له بأدب أن يعدو إلى بيته لانتظار أجله، في وقت تتحول فيه بطاقة التغطية إلى مجرد ورق لا يضمن سريراً ولا يسرع طابوراً طويلاً أمام أبواب لم تتهيأ لاستيعاب هذا الكم البشري الهائل.


تكتمل هذه الدائرة العبثية بنزيف أدمغة صامت تجد فيه الدولة نفسها مستثمرةً ملايين الدراهم من ضرائب المواطنين لتكوين أطباء أكفاء، ليجد هؤلاء أنفسهم محاصرين بين جدران مستشفيات عمومية عارية تطلب منهم صنع المعجزات بأيادٍ فارغة، أو الهروب نحو أوروبا حيث تُحترم إنسانيتهم وتُقدر كفاءاتهم، لتجني القارة العجوز ثمار تكويننا بالمجان ويترك المواطن المغربي يبحث عبثاً عن جراح مختص فلا يجده. 


إن قطاع الصحة ليس مجرد قطاع خدمي ثانوي يمكن مداواته بالمسكنات وتغيير الشعارات، بل هو الأمن القومي الحقيقي والعمود الفقري لأي دولة اجتماعية حقيقية، وطالما استمر التعامل مع أجساد المغاربة بمنطق الترقيع والصفقات والريع الطبي، سنظل ندور في حلقة مفرغة، عاجزين عن إدراك أن الإنسان المريض هو من سيبني هذا الوطن قبل أي حجر آخر.