يشهد المغرب منذ سنوات تحولاً هادئاً في طبيعة النخب التي تتولى تدبير الشأن العام. وإذا كانت المرحلة السابقة قد تميزت بصعود رجل الأعمال إلى قيادة الحكومة باعتبار أن خبرته في الاستثمار والتدبير قد تساهم في تسريع الإصلاحات الاقتصادية، فإن النقاش اليوم يتجه نحو سؤال مختلف: هل يتجه المغرب نحو مرحلة يصبح فيها المسؤول الإداري السامي هو النموذج الأكثر ملاءمة لقيادة السلطة التنفيذية؟
هذا السؤال يفسر الاهتمام المتزايد الذي يثيره اسم فوزي لقجع داخل النقاش العمومي، ليس فقط كشخص، وإنما كرمز لنمط جديد من النخب التدبيرية التي تجمع بين المعرفة الدقيقة بآليات الدولة، والقدرة على تنفيذ المشاريع، وإدارة الملفات المعقدة، والتفاوض مع الفاعلين الوطنيين والدوليين.
لكن القضية في جوهرها لا تتعلق بفرد بعينه، بل بتحول أعمق في فلسفة الحكم. فبعد عقود كان فيها الرهان الأساسي هو التمثيل السياسي والشرعية الحزبية، يبدو أن الدولة أصبحت تمنح أهمية متزايدة للكفاءة التنفيذية، وسرعة الإنجاز، والقدرة على تحقيق نتائج قابلة للقياس، خاصة في سياق تتسارع فيه المنافسة الدولية على الاستثمار والتكنولوجيا ورؤوس الأموال.
لقد شكلت حكومة عزيز أخنوش، بصرف النظر عن تقييم حصيلتها، محطة بارزة في هذا التحول. فقد برز خلالها مفهوم يمكن تسميته بـ”السياسة التدبيرية”، حيث أصبح تقييم المسؤول العمومي يرتكز بدرجة أكبر على مؤشرات الإنجاز، وحجم المشاريع المنفذة، والقدرة على تعبئة التمويلات، أكثر من ارتكازه على الخطاب السياسي أو التعبئة الحزبية التقليدية.
غير أن لكل مرحلة حدودها. فمع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يطرح سؤال الانتقال إلى مرحلة جديدة، ليس لأن التجربة السابقة كانت ناجحة بالكامل أو فاشلة بالكامل، وإنما لأن الأنظمة السياسية بطبيعتها تحتاج إلى تجديد أدواتها ونخبها لمواكبة تحديات جديدة. فالانتقال من نموذج إلى آخر لا يعني إدانة النموذج السابق، بل يعكس تطوراً في حاجيات الدولة وأولوياتها.
وفي هذا الإطار، تبرز فرضية انتقال المغرب من مرحلة “رجل الأعمال السياسي” إلى مرحلة “الإداري الإستراتيجي”. فالأول يستمد قوته من خبرته في عالم الاستثمار وإدارة المقاولات، بينما يستمد الثاني شرعيته من إتقان دواليب الدولة، وقدرته على التنسيق بين المؤسسات، وتسريع تنفيذ الأوراش الكبرى، وضبط التوازنات المالية والإدارية.
كما يفسر هذا التحول التراجع النسبي للأحزاب السياسية التقليدية في إنتاج نخب قادرة على قيادة الدولة في سياق اقتصادي وجيوسياسي شديد التعقيد. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتراجع الشعبية الانتخابية، بل أصبحت تتعلق أيضاً بضعف قدرة الأحزاب على تكوين قيادات تمتلك خبرة تقنية وإدارية تتناسب مع حجم الأوراش الوطنية الكبرى.
ومع ذلك، فإن هذا النموذج يطرح بدوره أسئلة جوهرية. فكلما ارتفعت مكانة الكفاءة التدبيرية، برزت الحاجة إلى الحفاظ على التوازن مع متطلبات الشرعية الديمقراطية، والمساءلة السياسية، والتعددية الحزبية. فنجاح الدولة لا يقاس فقط بسرعة الإنجاز، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين الفعالية التنفيذية والتمثيلية الديمقراطية.
إن ما يحدث في المغرب ليس استثناءً دولياً. فقد شهدت العديد من الديمقراطيات انتقالاً تدريجياً نحو إسناد المسؤوليات العليا إلى شخصيات ذات خلفيات اقتصادية أو مالية أو إدارية، كلما أصبحت إدارة الدولة أكثر تعقيداً، وأصبحت المنافسة الاقتصادية العالمية أكثر حدة. لذلك فإن فهم هذه التحولات يقتضي تجاوز القراءة الشخصية للأحداث، والنظر إليها باعتبارها جزءاً من تطور أوسع في علاقة الدولة بالسياسة وبالإدارة.
وفي سلسلة المقالات المقبلة، سأحاول تفكيك هذا التحول من خلال الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية: لماذا تتراجع الأحزاب التقليدية؟ ما الفرق بين السياسي التقليدي والسياسي المدير؟ ما موقع الكفاءة داخل النظام السياسي المغربي؟ وهل نحن أمام تحول ظرفي أم أمام نموذج جديد للحكم قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة؟






