القوة تكون بالتخطيط الناجع وبالعمل الجدي، وبالسمعة الدولية الطيبة، وبذكاء التواصل الدبلوماسي، وبالاستثمار في القوى الناعمة، وليس بفتح الأفواه في الخطابات السياسية البهلوانية الفارغة التي تجعل العالم يضحك من غبائها.
المغرب لم يعد اليوم في حاجة إلى أن تخرج شخصية سياسية منه في سدة الحكم، إلى الناس، عبر لقاءات بروباغندا إعلامية، وتقول للناس :
"أنا لا أباع ولا أشترى، وأنا هو أعظم رجل في الدنيا، وإن حاول أن يضغط عليَ أحد منكم سأوريه من أنا".
المغرب، من خلال مؤسساته العليا، لا حاجة له للبوز عن طريق خطابات بهلوانية، كي يقول للبلدان الأخرى ها أنا موجود. فهو ليس موجودا فقط من خلال الكلام، بل من خلال الأرقام، وهي أرقام مضبوطة ودقيقة وتخضع للفحص من مؤسسات اقتصادية ومالية دولية.
المغرب ليس معروفا عنه أن وزيرا فيه أو رئيسا لحكومته خطب في أحد أيام سبتمبر 2023 في الجمعية العامة للأمم المتحدة على العالم وقال لقادة العالم بأن بلده انطلقت ببرنامج تحلية مياه البحر، وستصل مع نهاية سنة 2024 إلى إنتاج "مليار و300 مليون متر مكعب يوميا"، بينما الواقع أن الدولة التي تنتج أكبر قدر من المياه المحلاة في العالم هي المملكة العربية السعودية، بحجم يتراوح بين "16 و17 مليون متر مكعب يوميا" وفق التقارير الرسمية لنهاية عام 2025 ومطلع عام 2026.
فالمغرب عندما تصدر مثلا وزارة الصناعة والتجارة فيه رقما، لا يكون الرقم شطحة لسان صادرة عن بهلوان، بل يكون مصادقا عليه من مكتب الصرف والمؤسسات الاقتصادية الدولية، مثل القول بأن القطاع الصناعي الإجمالي في المغرب يسهم بنسبة 24% في الناتج الداخلي الخام الوطني، وبأن صناعة السيارات تُعد هي القطاع التصديري الأول، وهي القاطرة الرئيسية للصناعة المغربية، وتمثل 33% من إجمالي الصادرات الوطنية، وأن عائدات صادرات السيارات المصنوعة داخل المغرب بلغت قيمتها حوالي 15 مليار يورو، أي نحو 160 مليار درهم، بنهاية سنة 2024، وأنها تواصل نموها المتسارع وتجاوزت 77 مليار درهم في أول 5 أشهر من سنة 2026، وأن صناعة الطيران وهو قطاع عالي التقنية،
تحول المغرب من خلاله إلى منصة دولية لصناعة أجزاء ومكونات الطائرات الدقيقة، وبلغت عائدات صادرات الطيران مستويات قياسية لتصل إلى 29 مليار درهم بنهاية سنة 2025، وسجلت في الربع الأول من سنة 2026 نحو 7,9 مليارات درهم بارتفاع 12,6%.
وهذه أرقام لا تجد مسؤولا مغربيا بخرج في كل لحظة كي يتبجح بها، ويجمع عليه الميكروفونات ليعلن أن المغرب هو الأعظم في كذا وهو الأحسن في هذا وهو الأفضل في ذاك وهو الأول هنا وهو الوحيد هناك.
نعم.
المغرب ليس في حاجة إلى أن يخرج مسؤول في الدولة كل أسبوع للحديث عنه أمام الكيكروفونات.
فهو أضحى مثل نار على علم، فقط اعتمادا على قوته الناعمة الهادئة، المتمثلة في كرة القدم.
ولا يمكن لأي شخص ذي عقل سليم أن ينكر أنه كلما كان اسم بلد رائجا في التظاهرات الدولية الكبرى مثل بطولة كأس العالم، إلا وجذب إليه الأنظار، وجعل الذين لديهم القدرة على السفر في مناطق أخرى من العالم يسعون إلى اكتشافه، ويجلبون إليه المال، وهنا ينبغي أيضا أن نتحدث بأرقام دقيقة بعيدا عن التصريحات البهلوانية.
بعد الإنجاز الذي حققه المنتخب المغربي لكرة القدم في مونديال قطر سنة 2022 ببلوغه مباراة نصف النهاية واحتلاله المركز الرابع عالميا، شهد المغرب طفرة سياحية هائلة غير مسبوقة، حيث تحول الزخم الكروي والتعريف العالمي بالمملكة إلى محرك رئيسي لجذب ملايين السياح الأجانب، ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة المغربية ومنظمة الأمم المتحدة للسياحة، جيث سجلت المؤشرات قفزات قياسية متتالية، ابتدأت بعام المونديال سنة 2022 الذي استقبل فيه المغرب حوالي 13,2 مليون زائر.
وفي سنة 2024 قفز العدد بشكل هائل ليصل إلى 17,4 مليون زائر بزيادة 20% مقارنة بعام 2023، وشكل السياح الأجانب نسبة 51% من هذا الإجمالي، بحوالي 8,8 ملايين سائح أجنبي، بينما النصف الآخر من المغاربة المقيمين بالخارج.
أما في سنة 2025 فقد كسر المغرب كل الأرقام السابقة مسجلاً 19,8 مليون زائر، ليتربع على عرش الوجهة السياحية الأولى في إفريقيا من حيث عدد الوافدين، ويصعد إلى المرتبة 22 عالمياً.
وفي النصف الأول من هذه السنة 2026، استمر الزخم التصاعدي القوي باستقبال 9,4 ملايين وافد خلال الأشهر الستة الأولى.
وقد بلغت الإيرادات السياحية الدولية للمغرب نحو 14,8 مليار دولار (حوالي 138 مليار درهم) في عام 2025، مما جعل السياحة هي المصدر الأول للعملة الصعبة في البلاد.
وقبل مونديال 2022 كانت فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة هي المصدر التقليدي للسياح الذين يزورون المغرب، لكن بعد المونديال سجل المغرب تدفق السياح من بلدان أخرى غير تقليدية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والبرازيل، والصين، ودول الخليج العربي، الذين تعرفوا على الثقافة المغربية بشكل أوسع خلال المونديال.
وأهم العوامل المساعدة على هذا النمو السياحي، تتمثل في الترويج العالمي التلقائي للهوية المغربية، والطقوس الثقافية، والقيم العائلية، والاحتفالات، والسلوك الحضاري في التشجيع، والتعاطف العالمي مع أسود الأطلس، وهو ما شكل أكبر حملة إعلانية مجانية للمغرب في التاريخ.
كما أن إعلان الفيفا عن فوز الملف المشترك بين المغرب، إسبانيا والبرتغال، باحتضان كأس العالم 2030 أبقى المملكة المغربية تحت أضواء الاهتمام الرياضي والسياحي العالمي، حيث هناك مخطط لاستهداف جذب 26 مليون سائح بحلول عام 2030.
مع كل هذا النمو والتطور والتقدم الذي يشهده المغرب بفضل السمعة العالمية الطيبة والثقة الدولية في قدرة المغاربة على الإنتاج وتحقيق النجاح، هو ما يجعل بعض البلدان التي تعوزها الأفكار المبدعة، وتفتقد للرجال العاملين والنساء العاملات الجادين والجادات من ذوي السواعد القوية، تكثّف حملاتها الإعلامية ضده، محاولة النيل من مصداقيته ومن صورته الأنيقة التي رسخها لدى في العالم، وهذه البلدان لا تعكس من خلال حملاتها المسيئة ضد المغرب سوى عن عجزها وفشلها وإحباطاتها وعدم قدرتها على مواكبة خطى باقي البلدان التي تؤمن بأن التغيير نحو الأفضل يأتي بالانغمار في العمل وفق رؤية استراتيجية واضحة تتوخى تحقيق الآمال، وليس بهرطقات تعج بالوعود صادرة من بهلوانات، ويكون مآلها دوما هو الخسران.
وهذا ما كان.






