سياسة واقتصاد

حديث النتنوغرافيا...الخوارزمية تترشح قبل فوزي لقجع...

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

منذ أشهر، لم يعد النقاش الدائر حول فوزي لقجع مجرد متابعة لمسار مسؤول عمومي أو قراءة لاحتمالات انتخابية. لقد تجاوز ذلك إلى ما يشبه الحملة الانتخابية المفتوحة، مع فارق واحد: أن أحدا لم يعلن بدايتها، ولم يتكفل بتمويلها.

هذه هي المفارقة التي تكشفها النتنوغرافيا؛ ذلك المنهج الذي لا يدرس الأشخاص بقدر ما يدرس المجتمعات الرقمية وهي تنتج المعنى.

فالمنصات لم تكن مجرد وسيط ينقل الأخبار عن فوزي لقجع، بل تحولت إلى فضاء يعيد إنتاج صورته آلاف المرات يوميا. وكل منشور مؤيد، وكل انتقاد، وكل تحليل، وكل إشاعة، كانت تضيف لبنة جديدة إلى صورة ذهنية أخذت تترسخ في الوعي الجمعي: لقجع هو الاسم الأقرب إلى رئاسة الحكومة..

والغريب بالأمر أن هذه الصورة لم يصنعها أنصاره وحدهم. خصومه أيضا شاركوا في بنائها. فمن كان يكتب محذرا من "حسم النتائج مسبقا"، ومن كان يتحدث عن "مرشح الدولة"، ومن كان يرى أن الانتخابات فقدت معناها، كان يكرر الاسم نفسه ويضعه في مركز المشهد. وفي المقابل، كان آخرون يقدمونه باعتباره رجل المؤسسات، وصاحب تجربة في تدبير الملفات الكبرى، وأن المرحلة المقبلة، بما تتضمنه من استحقاقات استراتيجية ومشاريع وطنية وتنظيم كأس العالم، تحتاج إلى شخصية قادرة على فرض الانضباط أكثر من حاجتها إلى زعيم حزبي تقليدي.

ورغم اختلاف الدوافع، فإن النتيجة الاتصالية كانت واحدة: تكريس اسم واحد بوصفه الاحتمال الأكثر حضورا.

هنا تحديدا تتدخل النتنوغرافيا لتقول لنا إن ما يهم ليس صدق هذه الفرضيات أو خطؤها، وإنما الأثر الذي تتركه كثافة تداولها. فالخوارزمية لا تسأل إن كان المحتوى صحيحا، بل إن كان قابلا للتفاعل. وكلما تضاعف التفاعل، ازداد الحضور الرمزي للاسم، حتى يتحول الاحتمال إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان كثيرين.

ولعل أول أثر لذلك هو ما بدأ يطفو على السطح من إعادة تموضع سياسي، ومن حديث عن انتقال بعض الفاعلين نحو حزب الأصالة والمعاصرة، انطلاقا من قناعة أو من حسابات سياسية، أو حتى من الرغبة في عدم البقاء خارج الحزب الذي يُنظر إليه، في الخطاب الرقمي، باعتباره الأقرب إلى قيادة المرحلة المقبلة. وسواء كان هذا التصور دقيقا أم لا، فإن مجرد انتشاره يؤثر في السلوك السياسي، لأن الفاعلين يتخذون قراراتهم أحيانا بناء على ما يعتقدون أن الآخرين يعتقدونه.

لكن وسط هذا الضجيج، يغيب سؤال جوهري: من قال إن المستقبل اختُزل في اسم واحد؟

فالمغرب لا يزال يضم أحزابا ذات امتداد تنظيمي وشعبي، وفيها قيادات تحظى برصيد سياسي وانتخابي معتبر. والانتخابات، بطبيعتها، مجال للتنافس لا للإعلان المبكر عن النتائج. لذلك فإن تحويل احتمال سياسي إلى يقين جماعي قبل انطلاق السباق نفسه، لا يعكس بالضرورة الواقع، بقدر ما يعكس قوة السردية الرقمية.

المنصات اليوم لا تصنع تضليل الوقائع، بل تعيد ترتيب سلم الاحتمالات داخل الوعي الجمعي. فعندما يتكرر الاسم نفسه آلاف المرات، يبدأ الناس في التعامل معه باعتباره الخيار الطبيعي، لا لأنه حسم المنافسة، بل لأن الخوارزمية منحته احتكار الانتباه.

لهذا، فإن القضية ليست فوزي لقجع، ولا حزب الأصالة والمعاصرة، ولا حتى الانتخابات المقبلة. القضية هي أن الفضاء الرقمي أصبح يمتلك قدرة غير مسبوقة على إنتاج "المرشح المرجح" قبل أن يختار الناخبون، وأن يصنع من كثافة التداول رأسمالا رمزيا قد يتحول إلى رأسمال سياسي.

إنها النتنوغرافيا يا سادة؛ حيث لا تبدأ الانتخابات يوم فتح صناديق الاقتراع، بل يوم تبدأ الخوارزميات في اختيار من يحتل مركز الوعي الجمعي..