سياسة واقتصاد

في ذكرى رحيل الملك الحسن الثاني... رحيل استثنائي

عبد الصمد بنشريف (صحفي)

كان صباح السعيدية في ذلك اليوم يغتسل بهدوء استثنائي. السماء، وقد أمعنت في زرقتها الآسرة، كانت تتماهى مع زرقة البحر، فيما كانت شمس المتوسط تنثر ضياءها فوق صفحة الماء، لتكتمل لوحة طبيعية آسرة تختلط فيها فتنة المكان بسكونه. وعلى امتداد الشاطئ، الذي يمتد كخيط أزرق طويل لعدة كيلومترات، كانت أفواج المصطافين القادمين من مختلف جهات المغرب تبحث عن نسمة بحر تخفف من لهيب الصيف.

كانت السعيدية آنذاك مدينة متواضعة في كل شيء؛ فنادقها قليلة وبسيطة، ومقاهيها ومطاعمها محدودة، وبنيتها التحتية هشة، ومرافقها بعيدة عن الصورة التي أصبحت عليها اليوم. لكنها، في ظهيرة الثالث والعشرين من يوليوز سنة 1999، تحولت إلى فضاء يختزن واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في التاريخ المغربي المعاصر.

كنت أجلس رفقة الصديق محمد العباسي في فندق متواضع غير بعيد عن الشاطئ. كنا نستمتع بهدوء المكان قبل أن يقترب منا أحد المسؤولين، وقد ارتسمت على ملامحه علامات الوجوم، لينطق بجملة لم تكن مجرد خبر، بل كانت فاصلاً بين زمنين: "عزاؤنا واحد في وفاة الملك الحسن الثاني."

كان وقع الكلمات مزلزلاً. في لحظة واحدة تبدلت ملامح المكان، واختلط الزمن بالمشاعر، وساد صمت ثقيل لم تكن تقطعه إلا نظرات الحيرة والذهول. خرجنا من الفندق، ولم يكن الخبر قد انتشر بعد على نطاق واسع، لكن ما إن قطعت القناة الأولى برامجها المعتادة، وبدأ بث آيات القرآن الكريم، حتى أدرك سكان السعيدية وزوارها أن المغرب يعيش حدثاً استثنائياً.

ورغم أنني كنت أقضي عطلتي السنوية، شعرت أن الواجب المهني يسبق كل اعتبار. حاولت الاتصال بمساعدة التحرير في القناة الثانية،  خديجة الناصري، تلك المرأة النبيلة التي عرفت بكفاءتها ودماثة خلقها، غير أن الضغط الهائل على خطوط الهاتف حال دون ذلك. وبعد دقائق، كانت هي من نجحت في الاتصال بي، وقالت بصوت حازم: "يجب أن تلتحق بالقناة في أقرب وقت." كان ذلك قرار الإدارة، ولم يكن هناك مجال للتردد.

غادرت رفقة الصديق محمد العباسي نحو مخيم التنس المتواضع، حيث كنت أقيم بمعية المناضل الصالحي عبد القادر وآخرين. هناك وجدت المصطافين في حالة ارتباك وذهول. كان بعضهم يعرفني من خلال ظهوري على شاشة القناة الثانية، فانهالت عليّ الأسئلة، وكان أكثرها تعبيراً عن طبيعة تلك اللحظة: هل الأوضاع عادية؟ وهل يمكن أن تهاجمنا الجزائر؟

كانت أسئلة عفوية، لكنها تعكس حجم القلق الذي أحدثه رحيل ملك ارتبط اسمه بتاريخ المغرب الحديث. حاولت أن أطمئن الجميع، مؤكداً أن المغرب دولة مؤسسات، وأن الأمور تحت السيطرة، ولا شيء يدعو إلى الخوف أو الهلع. كان من الطبيعي أن يطرح المواطن البسيط مثل هذه التساؤلات، لأن الأمر لم يكن يتعلق بوفاة شخصية عادية، بل برحيل ملك ترك بصمته العميقة على تاريخ البلاد، بما أنجزه من مشاريع، وما أسسه من مؤسسات، رغم ما طبع عهده من صراعات سياسية وتوترات اجتماعية وصدامات مؤلمة، ورغم الاختيارات التي أثارت انتقادات واسعة لدى فئات عديدة من المغاربة.

لملمت أغراضي وغادرت المخيم، تاركاً وراءي مدينة السعيدية وقد غمر الحزن أجواءها الصيفية. توجهت رفقة الأخ محمد العباسي إلى مدينة بركان، حيث كان شقيقي مصطفى في انتظارنا. وخلال الطريق كانت الأسئلة تتزاحم في أذهاننا؛ فقد كنا من جيل تشكل وعيه السياسي مبكراً، ودفع أثماناً باهظة دفاعاً عن حلم المجتمع العادل والدولة الديمقراطية.

جلسنا في مقهى ابن سينا، التي كانت خلال فصل الصيف ملتقى لنخبة بركان السياسية والثقافية. وهناك شاءت المصادفة أن نلتقي بأحد أبناء الراحل البكاي، أول وزير أول في تاريخ المغرب المستقل. أخذنا الرجل في رحلة داخل دهاليز التاريخ، وروى لنا، بفرنسية أنيقة، وقائع وتجارب عاشها عن قرب. كنا نصغي إليه باهتمام، وهو الذي خاض تجربة الجندية، وفاز في الانتخابات التشريعية لسنة 1963 باسم الحركة الشعبية، كما تولى رئاسة جماعة بركان.

كان حديثه يمزج بين السياسة والتاريخ، وتغلب عليه مسحة دينية واضحة، بعدما أفنى سنوات طويلة في دراسة المذاهب الفقهية، وإتقان اللغة العربية، والتعمق في كتب التفسير وعلوم القرآن.

وفي مساء ذلك اليوم، استضافنا علي الكعواشي في منزله، وكان آنذاك الكاتب الإقليمي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ببركان. امتد النقاش بيننا لساعات طويلة، نستحضر محطات التاريخ بكل ما حملته من آمال وانكسارات، ونتساءل عن مستقبل المغرب، وعن فرص استكمال البناء الديمقراطي، وآفاق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مرحلة جديدة بدأت تلوح ملامحها.

في صباح اليوم التالي غادرت بركان نحو وجدة، استعداداً للسفر جواً إلى الدار البيضاء. ورغم أن الرحلة كانت مبرمجة في فترة ما بعد الزوال، فإنها تأخرت كثيراً بسبب الارتباك الذي أصاب حركة الطيران عقب إعلان وفاة الملك الحسن الثاني. قضيت ساعات طويلة في مطار وجدة أنجاد، ولم أقلع إلا في حدود العاشرة ليلاً.

عند وصولي إلى مطار محمد الخامس، كان علي أن أجد وسيلة للوصول إلى مقر القناة الثانية. لم يكن أمامي سوى انتظار القطار، الذي استقللته وأنا أجر أعباء يومين من التعب والسفر والانفعال. وحين وصلت إلى مقر القناة، وجدت أغلب المسؤولين والصحافيين والعاملين قد التحقوا بمكاتبهم، وكانوا يتناولون وجبات سريعة داخل قاعة التحرير استعداداً لأيام استثنائية.

بعد أن أخذت قسطاً من الراحة، واطلعت على تفاصيل الخطة التي وضعتها القناة لمواكبة هذا الحدث التاريخي، رافقت الزميل والصديق محمد مماد إلى منزله، حيث قضيت الليلة.

مع بزوغ فجر اليوم التالي، استيقظنا مبكراً، وقد تسلحنا بحماس مهني كبير. توجهنا إلى القناة لاستكمال التحضيرات الخاصة بتغطية مراسم تشييع جنازة الملك الراحل الحسن الثاني.

أتذكر جيداً الاجتماع الذي ترأسه المدير العام للقناة الثانية آنذاك، العربي بلعربي، بحضور محمد مماد، الذي كان مسؤولاً عن قسم الأخبار، إلى جانب عدد من الصحافيين والمخرجين والتقنيين. بدا بلعربي متوتراً بعض الشيء، وهو أمر مفهوم؛ فإدارة التغطية الإعلامية لحدث بهذا الحجم، وبهذه الرمزية، كانت مسؤولية استثنائية تتطلب كثيراً من الحكمة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار.

فاجأني بسؤال مباشر: "هل تتولى وحدك التعليق على جنازة الملك الراحل، أم يكون إلى جانبك الصحافيان محمد العمراني وحميد ساعدني؟"

كان الجواب يحتاج إلى قدر من الدبلوماسية والحس المهني. قلت له إنني مستعد لتحمل المسؤولية كاملة، لكنني أرى أن إشراك الزميلين سيكون أكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الحدث الوطني الكبير. فاستقر الرأي على هذا الاختيار.

داخل الاستوديو، وبعد ساعات من التحضير وجمع المعطيات واستحضار المسار الطويل والمعقد للملك الحسن الثاني، كنت أحاول أن أوظف ما راكمته من قراءات ومعرفة تاريخية في الربط بين مشاهد الجنازة ومحطات مفصلية من تاريخ الرجل الذي ظل، لعقود، صانعاً للأحداث وشاهداً عليها وفاعلاً رئيسياً في تشكيل المغرب الحديث.

لقد أدركت، يومها أكثر من أي وقت مضى، أن الصحافة ليست مجرد نقل للوقائع، بل هي أيضاً قراءة للتاريخ وهو يُكتب أمام أعيننا. ففي عالم الإعلام، كما في السياسة والثقافة، لكل صحافي أسلوبه ورؤيته وطريقته في فهم الأحداث وتأويلها. غير أن العمل الجماعي، حين يقوم على الانسجام والإعداد الجيد والتنسيق المهني، يظل القادر على إنتاج أفضل النتائج، خاصة عندما يتعلق الأمر بلحظات استثنائية، لا تتكرر إلا نادراً في تاريخ الأمم.