بعد فترات برود وفتور دامت سنوات، عادت الرباط وباريس لتجلسا من جديد حول مائدة المصالح المشتركة، في إطار براغماتي صِرف.
إن الزيارات واللقاءات، التي عرفتها المملكة خلال الأسبوع المنصرم، أنتجت حزمة من الاتفاقيات في مجالات تتعلق على التوالي بالأمن والاقتصاد والطاقة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نحن فعلاً أمام عملية فتح صفحة جديدة؟ أم أننا بإزاء ترتيب أوراق مؤقت قد لا يكون له ما بعده؟
إن نظرة سريعة على أحداث الأسبوع الماضي، الدائرة رحاها بين البلدين، الصديقين الحميمين، على مدى تاريخ غير هيّن، يتبيّن منها أن الجمهورية الفرنسية والمملكة المغربية قد عقدتا العزم على الرفع من إيقاع التعاون القائم بينهما في المجالات التالي تحديداً:
- في الأمن ومكافحة الإرهاب:
بالعودة إلى التعاون الاستخباراتي، وتسهيل تبادل المعلومات والمعطيات ذات السبغة الأمنية الاستباقية؛
- في الاقتصاد والاستثمار: إبرام وتفعيل اتفاقيات غير مسبوقة، كمّاً وكيفاً، في ميادين الطاقات المتجددة، والنقل، والصناعة؛
- في مضمار الهجرة والتأشيرات:
إرساء جملة من الوعود في مضمار التخفيف من القيود على التأشيرات لفائدة المواطنين المغاربة؛
- في موضوع الصحراء المغربية:
التأكيد من الجانب الفرنسي، من جديد، على دعم "الحكم الذاتي" كحل وحيد ومنطقي لا محيد عنه ولا بديل له، مع العمل على تكريس هذا الدعم في الأوساط الأوروبية والدولية.
بيد أن هناك سؤالاً بديهياً يطرح نفسه: لماذا يقع كل هذا الآن بالذات؟
إن باريس، من جهة، تحتاج للمغرب كبوابة إفريقية، وكعاملٍ فعّال في تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي، التي يستأثر المغرب فيها بمكانة مرموقة، بل بمكانة ريادية، بفضل مبادراته المندرجة في إطار "التعاون جنوب جنوب"، وفي تكريس الشعار العملي والواقعي: "رابح رابح"، وكذا في السابقة الإستراتيجية المتمثلة في "المبادرة المغربية الأطلسية"، التي ستفسح المجال واسعاً لدول الساحل غير المتوفرة على واجهات بحرية، كي تستفيد بندّية كاملة من الموقع الجغرافي والجيواستراتيجي المغربي، فتنفتح اقتصاداتُها على كل من أمريكا وأوروبا والشرق العربي، محققةً بذلك زخماً تنموياً لم يكن يخالجها حتى في الأحلام.
ومن جهة أخرى، فالرباط تحتاج لفرنسا كشريك اقتصادي وتكنولوجي، وكلاعب أساسيّ ودائم في مجلس الأمن، في وسعه أن يخدم قضية الوحد ة الترابية المغربية، وكذا مشروع استعادة المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية والجزر، موازاةً وتكامُلاً مع الدعم الأمريكي غير المشروط بخصوص هذين المطلبين المصيريين.
من هنا تلتقي المصالح المغربية الفرنسية من جديد، في إطار سياسة براغماتية لا مكان فيها للعواطف والانفعالات، ولا مجال فيها لعداوة أو خصومة دائمة أو مستعصية.
إن هذه الاتفاقيات، التي تم إبرامها خلال الأسبوع المنصرم، جميلة على الورق لا محالة، ولكنها تبقى محفوفة بشظايا ذاكرة مغربية لا تَنسى.
من بين ما يعلق في هذه الذاكرة، العنيدة بكل تأكيد، ككل ذاكرات الشعوب، هناك أزمة التأشيرات، وغوغائية التصريحات المنسوبة الآن للماضي، وهناك ملف الجالية المغربية التي كانت معرضة في جزء غير يسير منها للتهجير خارج الديار الفرنسية... وكل هذه الجروح لم يُكتَب لها بعدُ أن تندمل، وبالتالي، ففي نظري المتواضع، أن العلاقة المغربية الفرنسية لن تعود كما كانت قبل سنوات الجفاء، ولكنها على الأقل ستستوي، وتنضج، وتتحول بالضرورة إىى علاقة ندية أكثر، ومصلحية أكثر فأكثر... وذاك منتهى ما يأمله الطرفان الصديقان الحميمان في الظرفية الراهنة.
نحن هنا إذَنْ بإزاء ميزان قوى جديد، لا نملك حُيالَه إلاّ أن نرحب بكل تعاون مغربي فرنسي يخدم مصلحة المغرب وفرنسا قبل أي مصلحة أخرى، على أن يظل شرطنا الوحيد، والذي لا محيد عنه، هو الاحترام المتبادل، والاعتراف الكامل بسيادة المغرب ووحدته الترابية، وعلى أساس أننا نقول من اليوم فصاعداً، وبصوت رجل واحد: نعم للشراكة الفاعلة، ولا وألف لا لأي شكل من أشكال الوصاية أو التبعية.
وعاشت المملكة المغربية الشريفة حرةً، أبيّةً وشامخة.






