لعلّ تحويل "الإحسان الطبي" إلى ممارسة عشوائية تتبنى منطق "من يأتي أولاً يُخدم أولاً" يمثل استهتاراً صارخاً بأبجديات الفرز الطبي وأخلاقيات المهنة، إذ إن التعامل مع صحة المريض بأسلوب يشبه إدارة "البوفيهات" يفتقر لأدنى المعايير العلمية، حيث يتحول العمل الجمعوي من وسيلة إنقاذ إلى مغامرة غير مدروسة. في هذا السياق المأساوي، يتم تسفير المرضى إلى الخارج دون تأمين متبرعين متوافقين طبياً، ودون مسوغات علمية دقيقة تبرر هذه الخطوة، مما يضع المريض في مواجهة خطر محقق، عوضاً عن توفير الرعاية التي يستحقها بكرامة وبحس مهني يراعي سلامة المريض أولاً.
مع الأسف، تتجلى فداحة هذا العبث في واقعة وفاة الطفل "حمزة" الذي فارق الحياة في ظل غياب تام لتوضيحات علمية أو منطقية، ودون محاسبة دقيقة لمصير التبرعات الضخمة التي جاد بها المغاربة تعاطفاً معه، ويبقى السؤال المؤلم الذي يتجنبه الجميع: "ألم يكن ليعيش وقتاً أطول وبكرامة أكبر لو لم يُخضع لذلك التدخل الطبي غير المفهوم؟". واليوم، تتكرر المأساة مع الطفل "محمد" الذي خضع لزراعة كبد بتبرع من أمه في تركيا، ليُترك هناك دون استكمال الرعاية اللازمة، وتنتشر صوره ببطن عارٍ تحمل آثاراً مؤسفة لعملية غير مكتملة الأركان. إن هذا التسيب وهذه الفوضى التي تحول أجساد الأطفال إلى ساحات للتجارب المأساوية، تكشف عن انحطاط أخلاقي يتاجر بالألم الإنساني، حيث يغلف التقصير المهني بعباءة الإحسان، مستخدمين مفاهيم القدر للهروب من المساءلة، ومحولين المريض إلى "ورقة ضغط عاطفية" لجلب الأموال وتبرير الفشل الطبي بذرائع تعد في حد ذاتها أقسى من الموت نفسه.
يمكن الجزم بأن هذه الانتهاكات الخطيرة تفرض على النيابة العامة التدخل العاجل لفتح تحقيق شامل في قضايا "حمزة" و"محمد" وأمثالهم من المرضى؛ فلم يعد الصمت مقبولاً أمام التساؤلات المشروعة التي تملؤها الريبة:
1. ما هي المسوغات الطبية الحقيقية لنقل حالات مستعصية إلى الخارج؟
2. وأين تذهب التبرعات الضخمة المجمعة؟
3. ومن المستفيد فعلياً من استمرار حملات استنزاف عواطف الناس؟
إن التدقيق الجنائي في الحسابات البنكية ومطابقة المبالغ المحصلة مع النفقات الفعلية الموثقة هو السبيل الوحيد لكشف المستور، وربط كل ذلك بتقارير خبرة طبية محايدة للحديث عن "هل حقيقة يستحق هؤلاء المرضى كل ذلك الألم؟" "أين هي كرامة المريض في آخر أيام حياته؟" وهذه هي الطريقة المنطقية لوضع حد للمتاجرة بالأرواح ومحاسبة المتورطين الذين يتلاعبون بحياة المرضى تحت ستار العمل الإنساني.
وعليه، فإن القبول بهذا الواقع يضعنا جميعاً أمام مسؤولية أخلاقية؛ فالسكوت يعني التواطؤ. إن استبدال "الإحسان المضلل" بحقٍ أصيل في رعاية طبية آمنة وشفافة هو السبيل الوحيد لإيقاف هذا النزيف. لقد حان الوقت لإنهاء هذا العبث الذي يستغل تضامن الناس لتمويل ممارسات قاتلة، فالمحاسبة القانونية والأخلاقية هي الضمان الوحيد لكي لا تظل أرواح المرضى وصدقات المحسنين رهينةً لعقليات لا تعي قدسية الحياة ولا تلتزم بأخلاقيات المهنة.






