صحة وعلوم

إصلاح المنظومة الصحية في المغرب: كيف يصبح الطبيب القادم من باريس أقرب إلى الرشيدية من الطبيب القادم من الرباط، مفارقة يصعب تفسيرها؟

أنور الشرقاوي (طبيب وخبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي)

كيف يمكن أن يكون استقدام طبيب مغربي من باريس أو برلين أو مونتريال للعمل في المغرب أسهل من انتقال طبيب مغربي يمارس مهنته في الرباط أو الدار البيضاء إلى الرشيدية أو زاكورة أو طاطا؟

تكشف الإصلاحات الكبرى، في كثير من الأحيان، عن مفارقات لم تكن في الحسبان.

ويبدو أن مشروع إصلاح الهيئة الوطنية للأطباء ليس استثناءً من هذه القاعدة.

فقراءة متأنية لمشروع القانون تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها.

من جهة، يمنح المشروع مكانة جديدة للأطباء المغاربة المقيمين بالخارج، ويفتح أمامهم باب المشاركة في حكامة الهيئة مستقبلاً، كما يتيح إمكانية لجوء المجموعات الصحية الترابية إلى كفاءاتهم لتغطية حاجيات محددة داخل المنظومة الصحية الوطنية.

وإذا ما أكدت النصوص التطبيقية هذا التوجه، فإن المغرب سيكون قد خطا خطوة مهمة نحو تعزيز الحركية الدولية لكفاءاته الطبية والاستفادة من خبراتها.

لكن، في المقابل، يظل سؤال جوهري مطروحاً بإلحاح: 

لماذا يمكن لطبيب مغربي يمارس عمله في باريس أو بروكسيل أن يشتغل داخل مجموعة صحية ترابية بالمغرب، بينما لا يزال الطبيب الحر المزاول في الدار البيضاء أو فاس أو مراكش عاجزاً عن ممارسة عمله بصورة منتظمة ودائمة في جهة أخرى من المملكة بسبب القيود التنظيمية المرتبطة بالهيئات الجهوية؟

إنها مفارقة صارخة.

ففي الوقت الذي تتجه فيه السياسات العمومية إلى تشجيع الحركية الدولية للأطباء، تبقى الحركية الوطنية محاصرة بقيود إدارية وتنظيمية لا تنسجم مع روح الإصلاح.

ويزداد هذا التناقض وضوحاً إذا استحضرنا أن المجموعات الصحية الترابية أُحدثت أساساً لتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للموارد البشرية الصحية.

غير أن الواقع يؤكد استمرار اختلالات كبيرة.

فلا تزال أقاليم عديدة تعاني خصاصاً في أطباء القلب، والجراحة، وأمراض العيون و الروماتيزم، والغدد والسكري، وغيرهم من الأطباء المختصين، في حين تظل الكفاءات متمركزة في المدن الكبرى.

أمام هذا الوضع، يطرح سؤال عملي نفسه: ما الذي يمنع طبيباً مختصاً يزاول القطاع الحر من تخصيص يوم أو يومين أسبوعياً للعمل في إقليم مجاور يعاني نقصاً في التخصصات، مع احتفاظه بتسجيله داخل هيئته الجهوية الأصلية، وفق إطار قانوني واضح وشفاف يضمن الحقوق والمسؤوليات؟

إن اعتماد مثل هذا الحل لن يمس بمكانة الهيئات الجهوية للأطباء، بل سيحولها إلى شريك حقيقي في تحقيق التضامن المجالي، وحسن استثمار الكفاءات الوطنية، وتحسين ولوج المواطنين إلى الخدمات الصحية، خصوصاً في المناطق الأقل استفادة.

إن تحديث المنظومة الصحية لا يقتصر على استقطاب كفاءات الجالية المغربية بالخارج، مهما كانت أهميتها.

بل يبدأ أيضاً بإزالة العراقيل التي تمنع الأطباء الموجودين داخل الوطن من الاستجابة السريعة والمرنة لحاجيات الجهات التي تعاني خصاصاً حقيقياً في الموارد البشرية الصحية.

وفي جوهره، لا يتعلق هذا النقاش فقط بتنظيم الهيئة الوطنية للأطباء، بل يطرح سؤالاً استراتيجياً حول فلسفة الإصلاح نفسها:

هل يريد المغرب منظومة صحية تُقيد الطبيب بحدود إدارية، أم منظومة تجعل الكفاءة الطبية تتحرك بحرية كلما اقتضت مصلحة المريض ذلك؟

وفي الوقت الذي يتجه فيه المغرب إلى تسهيل الحركية الدولية لأطبائه، فإن الإبقاء على الحواجز الإدارية التي تعرقل حركيتهم داخل الوطن سيبقى تناقضاً يصعب الدفاع عنه.

فالنجاح الحقيقي للإصلاح الصحي لن يُقاس بعدد الأطباء الذين سيعودون من الخارج، بل بقدرة الدولة على تمكين الأطباء الموجودين داخل المغرب من الوصول، بسهولة وفعالية، إلى المناطق التي يحتاج فيها المواطنون إلى خدماتهم أكثر من أي وقت مضى.