تستعد مدينة المنصورية للاحتفال بمهرجان جديد ستُصرف عليه أموال عمومية مهمة، في وقت يطرح فيه المواطن سؤالًا مشروعًا: ما الجدوى من هذه المهرجانات؟ وهل ما زلنا نعتقد أن سياسة الترفيه كافية لإخفاء أعطاب التنمية والتغطية على المشاكل الحقيقية التي يعيشها السكان؟
فالمنصورية اليوم لا تعاني فقط من نقص في التجهيزات أو الخدمات، بل تعيش أزمة أعمق؛ إنها أزمة مدينة ذات وجهين، أو بالأحرى “منصوريتان” يفصل بينهما شارع طويل تحول إلى ما يشبه “جدار برلين”.
على الضفة الأولى توجد المنصورية الأصلية، حيث الهشاشة والفقر والبنيات التحتية المتواضعة، وحيث يكافح السكان يوميًا من أجل العيش الكريم. وعلى الضفة الثانية تمتد الإقامات الفاخرة والشقق مرتفعة الثمن والمشاريع العقارية الموجهة لفئة ميسورة، في مشهد يجسد تفاوتًا اجتماعيًا صارخًا داخل المجال الترابي نفسه.
والأكثر إيلامًا أن كثيرًا من أبناء المنصورية الأصليين لم يكونوا شركاء في هذه الطفرة العقارية، بل تحول عدد منهم إلى حراس وخدم وعمال لدى ملاك هذه الإقامات الحديثة، في صورة تختزل اختلالًا عميقًا في توزيع ثمار التنمية.
ولا تقف معاناة المنصورية عند هذا الحد، بل تعيش كذلك أزمة هوية إدارية وتنموية. فهي ليست مدينة مكتملة المقومات، ولم تعد قرية بالمعنى التقليدي، وإنما فضاء عالق بين وضعين، يبحث منذ سنوات عن شخصيته الحقيقية.
هذا الارتباك ينعكس بوضوح في تدبيرها الإداري؛ فهي تتبع إداريًا لإقليم بنسليمان، كما تتبع للمحافظة العقارية بالإقليم نفسه، بينما تُلحق في المجال الحضري بجهة الدار البيضاء، رغم أنها ملاصقة جغرافيًا لمدينة المحمدية، وهو وضع يثير أكثر من علامة استفهام حول منطق هذا التقسيم وآثاره على التنمية والخدمات.
وتزداد المفارقة حدة عندما نعلم أن المنصورية، رغم موقعها الساحلي المتميز، لا تتوفر على ميناء للصيد يخدم أبناءها، كما فقدت محطة القطار التي كانت تربطها بمحيطها بعد إغلاقها، الأمر الذي عمق عزلتها وحرمها من رافعة أساسية للتنقل والتنمية الاقتصادية.
إن المنصورية لا تحتاج اليوم إلى مهرجانات موسمية بقدر ما تحتاج إلى رؤية تنموية حقيقية تعيد الاعتبار لسكانها، وتُنهي حالة الانقسام بين “منصورية الأغنياء” و”منصورية الهشاشة”، وتمنح هذه المدينة هوية واضحة، وإدارة منسجمة، ومرافق تليق بموقعها وإمكاناتها.
فالتنمية لا تُقاس بعدد المنصات الفنية، وإنما بما يشعر به المواطن من كرامة وعدالة ومساواة في فرص العيش داخل مدينته.






