سياسة واقتصاد

عندما يجمد ترامب تزويد حلفائه بالسلاح باستثناء الحليف المغربي!!

محمد عزيز الوكيلي (إطار تربوي متقاعد)
في هذه الظرفية العالمية الدقيقة، بل فائقة الدقة، والتي تشهد فيها الحرب الإيرانية/الإسرائيلوأمريكية تصعيدا، يمكن القول إنه غير محسوب العواقب، لأن الأخبار، المتساقطة قصاصاتُها كأوراق الخريف، لا تفتأ تنم عن غياب كلي للاستقرار ليس فقط بين الطرفين المتحاربين، بل أيضاً داخل دواليب كل منهما، بحيث تصدر عن كل منهما تصريحات لا تلبث أن تتلوها أخرى مخالفة أو مُناقِضة، بين اتفاق على وقف القتال بغير شروط، واتفاق بوقفها بشروط تارةً إيرانية، وتارة أخرى إسرائيلوأمريكية، وبين تصاعد التهديدات من الطرفين معاً، كل منهما يتحيّن الفُرَص للاستيلاء على بقعة من البقع فوق خريطة افتراضية ليست لها إحداثيات ولا حدود، ما عدا مواقع القواعد العسكرية، وأماكن توقف البوارج والسفن الحربية وحاملات الطائرات، ومساحات شاسعة من مضيق هرمز، ونقط أخرى في عرض المتوسط والأحمر وباب المندب وباقي أطراف خليج، لا يزال التدافع قائما بين تسميته "خليج فارس" أو "الخليج العربي"، وربما يستمر هذا التجاذب بدوره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها !!

في هذه الظرفية العصيبة، التي صارت فيها أمريكا وإسرائيل في أمس الحاجة إلى ترساناتهما الحربية، من الأسلحة من كل الأحجام والأوزان والعيارات، يقال والعهدة على القائل، إن البيت الأبيض الأمريكي اضطر إلى توقيف تزويد حلفائه بدفعات السلاح المتعاقَد حوله، لكنه استثنى المملكة المغربية دون غيرها، مما من شأنه أن يوحي بوجود حظوة لا شك أن لها ما يبررها، من الجانب الأمريكي على الأقل... تُرى ما هي هذه المبررات؟

يتعلق الأمر، بدايةً، بتوقيع الولايات المتحدة الأمريكية مع المملكة المغربية قبل أيام قليلة على اتفاقية جديدة للتعاون العسكري، الإستراتيجي، لا يمكن أن تكون إلاّ دليلاً جديداً على اضطلاع المغرب بدور محوري واستراتيجي في المنطقة المغاربية وإفريقيا، ودول الساحل بتحصيل الحاصل...

إنّ المبرر الأبرز لهذا النوع من الإصرار على تكريس الاستثناء المغربي، لن يكون سوى تضييق الخناق على الجماعات الإرهابية المنتشرة في المناطق الواقعة بالحيّزَيْن الجغرافيَيْن المذكوريْن، المغرب الكبير وإفريقيا، وبلدان الساحل الإفريقي على الخصوص...

لكن، ما علاقة هذا التوجه بالحرب الدائرة بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية؟

من هنا يبرز المبرر الثاني الأكثر أهمية، وهو أن إيران بالذات، ومَن يدور في فلكها من الأنظمة، كالنظام الجزائري ولقيطته البوليساريو، ومِن الجماعات الإرهابية كداعش والنصرة وبوكوحرام والتنظيمات المماثلة، المعروفة بالمتاجرة في السلاح وفي المخدرات وفي كل المحظورات... كل هذا يقع الآن في مركز دائرة التهديف الأمريكية، وليس غير المغرب مؤهلاً للقيام باللازم في شأنها، مراقبةً وتتبُّعاً ومتابعةً ومحاربةً على جميع الأصعدة والمستويات، وهذا لن تستطيع الاضطلاع به أيُّ دولة أخرى من الدول العضو في حلف الناتو، ولا الدول شريكة هذا الحلف في ملفات أمنية وعسكرية أخرى، بعيداً عن النطاقين المغاربي والإفريقي.

ريادةً عن هذين المبررين الوازنَيْن، هناك إلحاح أمريكي على توجيه رسائل معيّنة لدول الجِوار المغربي، وخاصة الجزائر وإسبانيا، اللتان تنظران إلى المملكة المغربية بعيون الحذر والريبة والاحتراز، لاسيما عند تيقّنهما من خصوصية التعاون المغربي الأمريكي، والمغربي الإسرائيلي على أكثر من صعيد، وبصورة أخص، على الصعيدين الأمني المخابراتي والعسكري الحربي والسيبراني، الأمر الذي يمكن وصفه بإعادة رسم خريطة جديدة وغير مسبوقة للمنطقة المتوسطية شمالها وجنوبها. خريطة يحتل المغرب فيها موقعاً مركزياً لا يمكن القفز فوقه أو تجاوزه.

لقد وصف الباحثون والدارسون والمحللون الوضع العالمي الراهن ب"حالة اللايقين"، وهي الحالة التي تنحو فيها الدول العظمى إلى تحصين دفاعاتها بوتيرة توقُّعية واستباقية. وكما هو واضح للمتتبعين للشأن العالمي، وللحرب الدائرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة ثانية، فإن إيران قادرة بأذرعها الأيديولوجية والمخابراتية والعسكرية على أن تُقيم الدنيا وتُقعدها في مناطق كثيرة توجد للولايات المتحدة فيها مصالح حيوية تستدعي حمايتها والدفاع عنها، ويدركون أن من بين هذه المناطق تحديداً، شمال إفريقيا، الذي تتجدد أطماع الإيرانيين في إخضاعه لهيمنتهم، بدءًا من الجزائر وصنيعتها الإرهابية، ومنطقة الساحل الإفريقي، التي توجد للحرس الثوري الإيراني فيها معاقل تتمركز فيها جماعات طائفية، شيعية، وأخرى "إخونجية" تتحين الفرص للمرور إلى أعمال التعنيف والترهيب والتخريب...

هناك أيضا مُعطى آخر يُرجّح كفة المغرب في مراجعة التوازنات الأمنية والعسكرية العالمية، وهو أن الشراكة الأمريكية مع دول شمال المتوسط، سواء في إطار حلف الشمال الأطلسي أو خارجه، لم تعد تعيش أزهى حالاتها، مما يعجّل بالبحث عن شراكات وأحلاف أخرى أكثر جِدّةً وطراوةً، وأقدر على تجاوز هنّات ومساوئ الشراكات السابقة، التي من بين أبرز أسباب ضعفها وهوانها، ذلك التحول السلبي الذي شهدته الدولة الفرنسية خاصةً، بوصفها الرائد الأوروبي، والذي ترك آثاره السيّئة على مؤسسة الاتحاد الأوروبي برمته، ناهيكم عن الشرخ الواسع الذي أقامته الحرب الروسية الأوكرانية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، والذي ترجمه الأوروبيون بتخليهم عن دعم "أختهم الكبرى"، أمريكا، في التزاماتها تجاه أوكرانيا من جهة، وامتناعهم عن الذهاب بعيدا في مناهضة "روسيا بوتين" في نفس النازلة من جهة ثانية.

كل هذا، يجعل العلاقات المغربية الأمريكية تنتقل من "شراكة تاريخية" إلى "تحالف إستراتيجي" بسقف غير محدَّد، مما يجوز وصفه ب"محور الرباط واشنطن"، في مواجهة أي محور محتمل يمكن أن يهدد المصالح الأمريكية المغربية المشتركة.

نحن هنا، إذَن، أمام استمرارية وتطور مستديم للعلاقات بين الرباط وواشنطن، منذ أن أعطيت انطلاقتها الأولى سنة 2020، من خلال الاعتراف الأمريكي الصريح بسيادة المغرب على صحرائه الجنوبية الغربية، وهي الاستمرارية التي من الأكيد أنها ستجد ما يعززها أكثر فأكثر في ظل المتغيرات والرهانات العالمية الراهنة.