رياضة

كأس العالم لكرة القدم.. حرب اقتصادية بمليارات الدولارات بين نايك وأديداس وبوما

أنور الشرقاوي (طبيب وخبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي)
تواصل شركة نايك Nike تصدرها للسوق العالمية للمستلزمات الرياضية، إذ يتجاوز رقم معاملاتها السنوي 50 مليار دولار، بينما تحقق أديداس Adidas مداخيل سنوية تتجاوز 24 مليار يورو، في حين تبلغ مبيعات بوما Puma نحو 9 مليارات يورو.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه عشاق كرة القدم بتحليل الخطط التكتيكية، وأداء المهاجمين، وقرارات الحكام، تدور في الكواليس معركة أخرى أكثر ربحية وتأثيراً، بعيدة عن أنظار الجماهير.

إنها حرب اقتصادية عالمية لا يخوضها اللاعبون ولا المدربون، بل ثلاثة من عمالقة صناعة التجهيزات الرياضية: نايك وأديداس وبوما.

كل أربع سنوات، تتحول بطولة كأس العالم إلى أكبر واجهة تجارية وإعلانية على وجه الأرض.

فأكثر من 5 مليارات مشاهدة متراكمة تسجلها مباريات البطولة، لتصبح كل لقطة تلفزيونية فرصة إعلانية هائلة، وكل إعادة بطيئة، وكل احتفال بهدف، وكل مراسم لتسليم الكأس، مساحة إعلامية تتنافس العلامات التجارية على الاستحواذ عليها.

وبالنسبة لهذه الشركات، لا تمثل كأس العالم مجرد منافسة رياضية، بل استثماراً مالياً ضخماً تُقاس عائداته بمليارات اليوروهات.

وتحافظ نايك على مكانتها كأكبر شركة عالمية في هذا القطاع، فيما تحقق أديداس ما يناهز 24 مليار يورو سنوياً، وتواصل بوما تسجيل حوالي 9 مليارات يورو من المبيعات. 

ويظل قطاع كرة القدم أحد أهم محركات نموها وانتشارها الدولي.

أما العقود التي تبرمها هذه الشركات مع الاتحادات الوطنية لكرة القدم، فقد بلغت مستويات غير مسبوقة، إذ تتجاوز قيمة عقود المنتخبات الكبرى في كثير من الأحيان ما بين 50 و 100 مليون يورو سنوياً، تضاف إليها العقود الفردية مع نجوم اللعبة، والتي تصل إلى عشرات الملايين من اليوروهات كل موسم.

غير أن المعركة الحقيقية تُحسم أمام عدسات الكاميرات.

فعلى خلاف الاعتقاد السائد، لا يُعد القميص دائماً المساحة الإعلانية الأكثر ظهوراً. فالمخرجون التلفزيونيون يفضلون اللقطات القريبة التي تركز على تحركات اللاعبين، ومراوغاتهم، وتسديداتهم، والإعادات البطيئة، إضافة إلى اللقطات المقربة للأقدام أثناء تنفيذ الركلات الحرة وركلات الجزاء.

ولهذا السبب، تصبح الأحذية الرياضية العنصر الأكثر حضوراً على الشاشة.

فهي تظهر في كل تفاصيل المباراة تقريباً: عند استقبال الكرة، والتمرير، والمراوغة، والتدخلات الدفاعية، والتسديد، والاحتفال بالأهداف، والإعادات التقنية، مما يجعل شعارات نايك وأديداس وبوما واضحة وسهلة التعرف لدى ملايين المشاهدين.

ويأتي القميص في المرتبة الثانية من حيث الحضور الإعلامي، إذ يحظى بتغطية واسعة خلال اللقطات الجماعية، واحتفالات الفوز، والمقابلات الصحفية، وعزف الأناشيد الوطنية، وحفل تتويج الأبطال، والصور الرسمية.

كما يشكل منتجاً تجارياً بالغ الأهمية، حيث تُباع ملايين النسخ منه عبر العالم خلال فترة البطولة.

أما السروال الرياضي، فيبقى أقل حضوراً وتأثيراً من الناحية الإعلانية، إذ لا يحظى بنفس زمن الظهور الذي تستفيد منه الأحذية أو القمصان.

ويرى خبراء التسويق الرياضي اليوم أن الحذاء الرياضي أصبح الوسيلة الإعلانية الأكثر قيمة واستراتيجية، لأنه يرتبط مباشرة بالأداء الفردي للاعب.

فعندما يسجل أفضل لاعب في البطولة هدفاً حاسماً أو يقدم لقطة استثنائية، يلاحظ المشاهدون مباشرة نوع الحذاء الذي ينتعله والعلامة التجارية التي يحملها.

وهذا الربط بين الأداء الرياضي والهوية التجارية ينعكس بشكل مباشر على حجم المبيعات في الأسواق العالمية.

ولهذا السبب تستثمر نايك وأديداس وبوما مئات الملايين من اليوروهات لاستقطاب أكبر نجوم كرة القدم في العالم.

فكل هدف يسجله لاعب يرتدي أحذية إحدى هذه العلامات يتحول إلى حملة إعلانية عالمية يصعب شراؤها بالوسائل التقليدية.

ولا تتوقف المكاسب عند نهاية البطولة، إذ يمكن لكأس عالم ناجحة أن ترفع المبيعات لسنوات، وتعزز صورة العلامة التجارية لدى الأجيال الشابة، وتفتح أمامها أسواقاً جديدة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

وهكذا، يختبئ خلف كل تمريرة حاسمة، وكل انطلاقة سريعة، وكل تسديدة ناجحة، صراع آخر أقل ظهوراً لكنه لا يقل شراسة، تخوضه ثلاث شركات متعددة الجنسيات من أجل الفوز بانتباه مليارات المشاهدين.

إن كأس العالم لا تتوج بطلاً لكرة القدم فحسب، بل تكشف أيضاً، من خلال قوة الحضور الإعلامي العالمي، عن الفائز الأكبر في أضخم حرب إعلانية يشهدها عالم الرياضة المعاصر.