سياسة واقتصاد

العجز التجاري يقرع جرس الإنذار

ادريس الفينة (محلل اقتصادي)

أظهرت مؤشرات مكتب الصرف إلى غاية نهاية ماي 2026 اتساعاً مقلقاً في العجز التجاري للمغرب، بعدما ارتفع بنسبة 20.8% ليبلغ حوالي 159.1 مليار درهم، مقابل 131.7 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. هذا التطور جاء نتيجة ارتفاع الواردات إلى 370.5 مليار درهم، أي بزيادة 11.8%، في حين لم تتجاوز الصادرات 211.4 مليار درهم، بزيادة أضعف بلغت 5.8% فقط. كما تراجع معدل التغطية من 60.3% إلى 57.1%، ما يعني أن الصادرات أصبحت تغطي جزءاً أصغر من الواردات.  

هذه الأرقام لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد تقلب ظرفي عابر. صحيح أن فاتورة الطاقة لعبت دوراً أساسياً، إذ ارتفعت واردات الطاقة والمواد المشحمة بنسبة 20.7% إلى أكثر من 55.1 مليار درهم، مدفوعة خصوصاً بارتفاع واردات الغازوال والفيول بنسبة 37.8%. لكن المشكل أوسع من الطاقة وحدها، لأن واردات معدات التجهيز ارتفعت بدورها بنسبة 18.7%، وواردات المنتجات النهائية للاستهلاك زادت بنسبة 10.8%.  

هنا يطرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام عجز مؤقت سببه ارتفاع أسعار الطاقة، أم أمام خلل أعمق في بنية الاقتصاد المغربي؟

الجواب الأقرب أن هناك عاملين متداخلين. الأول ظرفي مرتبط بأسعار الطاقة والاضطرابات الدولية، والثاني هيكلي مرتبط بارتفاع حاجة الاقتصاد إلى الاستيراد، سواء في الوقود أو المعدات أو مكونات الصناعة أو المنتجات الاستهلاكية. وهذا ما يجعل المعالجة لا تقتصر على انتظار انخفاض أسعار النفط، بل تحتاج إلى قرارات استباقية.

الملف الأكثر إلحاحاً هنا هو النقل. فحين ترتفع واردات الغازوال والفيول بهذه القوة، يصبح واضحاً أن قطاع النقل، سواء نقل الأشخاص أو البضائع، لم يعد مجرد ملف خدماتي أو اجتماعي، بل أصبح جزءاً من معادلة العجز التجاري. كل تأخر في إصلاح النقل العمومي، واللوجستيك، وتجديد الأسطول، والانتقال نحو وسائل أقل استهلاكاً للطاقة، يعني استمرار الضغط على الواردات وعلى العملة الصعبة.

لذلك، يجب أن تُطرح اليوم أسئلة دقيقة على المسؤولين:

ما هي الخطة العملية لتقليص استهلاك الغازوال في النقل العمومي ونقل البضائع؟

هل توجد رزنامة واضحة لتسريع النقل السككي والربط اللوجستي بين الموانئ والمناطق الصناعية؟

لماذا لا يتم تحفيز المقاولات على تجديد أساطيل الشاحنات والحافلات القديمة التي تستهلك وقوداً أكثر؟

أين وصلت برامج النقل الكهربائي والهجين داخل المدن الكبرى؟

هل لدينا سياسة واضحة لنقل جزء أكبر من البضائع عبر السكك بدل الطرق؟

كيف ستتعامل الحكومة مع ارتفاع تكلفة الطاقة دون أن تنقل كامل العبء إلى المستهلك والمقاولة؟

وهل يجري تقييم أثر كل مشروع نقل على الميزان التجاري وفاتورة الطاقة، أم أننا ما زلنا نتعامل مع النقل كقطاع منفصل عن السياسة الاقتصادية؟

في المقابل، ليست كل المؤشرات سلبية. فالصادرات الصناعية، خصوصاً السيارات والطيران، تواصل تقديم أداء مهم. صادرات قطاع السيارات بلغت 77.1 مليار درهم بارتفاع 15.9%، كما ارتفعت صادرات الطيران بنسبة 14.2%. لكن هذا الأداء لم يكن كافياً لتعويض تراجع قطاعات أخرى، أبرزها الفوسفات ومشتقاته التي انخفضت صادراتها بنسبة 11.2%، والنسيج والجلد الذي تراجع بنسبة 9.1%.  

كما أن خدمات السفر وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والاستثمارات الأجنبية المباشرة تخفف الضغط على الاقتصاد. فقد بلغت مداخيل السفر 53.8 مليار درهم بزيادة 14.6%، وبلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 50.2 مليار درهم بزيادة 8.8%، بينما ارتفع صافي تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 23.3 مليار درهم، بزيادة 41.8%.  

لكن هذه الموارد، رغم أهميتها، لا يجب أن تخفي جوهر المشكلة: المغرب يستورد بوتيرة أسرع مما يصدر. وإذا استمر هذا النسق، فإن نهاية السنة قد تحمل رقماً ثقيلاً.

بناءً على وتيرة الأشهر الخمسة الأولى فقط، ومن دون احتساب التغيرات الموسمية، يمكن أن يقترب العجز التجاري عند نهاية 2026 من حوالي 380 مليار درهم إذا استمرت نفس الدينامية الحالية. هذا ليس توقعاً رسمياً، بل تقدير حسابي مبسط يقوم على تمديد وتيرة يناير-ماي على باقي السنة. وفي سيناريو أكثر تفاؤلاً، إذا تراجعت فاتورة الطاقة وتحسنت صادرات الفوسفات واستمرت قوة السيارات والطيران، قد يتحرك العجز في نطاق 330 إلى 350 مليار درهم. أما في سيناريو سلبي، مع استمرار ضغط الطاقة وارتفاع الواردات بوتيرة قوية، فقد يقترب العجز من 400 مليار درهم أو يتجاوزها. وهو الأمر الذي يتطلب تدخلا استعجاليا.