بالأمس زج بالهمة وأزولاي في حديث ملغوم، وصفا إياهما بالكبيرين في مركز القرار ذوي النفوذ الذي لا يلجمه غير من هو أكبر منهما، وأطلق عنانه لضحكته التي لا تخرج من شغاف القلب... بل من سخرية وهزء حتى مرجعيته ترفضهما، ولا عجب... فقد سبق ووزع الألقاب المهينة نابزا في مخالفة شرعية لمرجعيته.
الرجل الحكواتي أدرك مبكرا أن الشعوب لا تحركها الأرقام الصماء ولا نسب النمو الفضفاضة، بل تحركها العاطفة الجياشة والقصة المسبوكة بعناية، فقرر أن يترك دفاتر الحسابات لخبراء التقنوقراط، ويتفرغ هو لمهنة الحكواتي السياسي الأوحد، يستدعي من أرشيفه الشخصي ما يشاء من لقاءات وجلسات شاي غابرة، كلما أحس أن أضواء المسرح بدأت تخفت، أو أن الجمهور بدأ يتلفت يمينا ويسارا بحثا عن وجوه جديدة.
إن هذا التحول البنيوي في الخطاب، حيث تصبح الحكاية الشخصية هي البرنامج السياسي البديل، ليس مجرد زلة لسان أو أسلوب عابر، بل هو استراتيجية تواصلية بالغة الذكاء والخطورة في آن واحد. رئيس الحكومة السابق لم يعد يطلب من الناس أن يحاسبوه على ما قدمت يداه في قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل، بل يطلب منهم أن يستمعوا إلى مذكراته الشفوية، ويشاركونه البكاء على الأطلال، والتأمل في مهارته الخارقة في البقاء على قيد الحياة السياسية رغم المؤامرات التي تحاك ضده في الغرف المظلمة. السياسة هنا لم تعد صراعا حول برامج وتصورات لبناء المستقبل، بل تحولت إلى منصة لاستعراض الذات، حيث يصبح الزعيم هو المركز، وهو المحور، وهو الشاهد الوحيد والشرعي على كل ما دار خلف الأبواب المغلقة، فيقنن المعلومة ويوزعها على أتباعه مثل صكوك الغفران الخطابية، معيدا إنتاج شرعيته لا من خلال صناديق الاقتراع بل من خلال صندوق العجائب الحكائي الذي لا ينضب.
ولعل أخطر ما في هذه السردية الحكواتية هو تلك القدرة العجيبة على إيهام المتلقي بأنه يجلس داخل الكواليس الضيقة لصناعة القرار. بنكيران لا يتحدث بلغة البلاغات الرسمية الرصينة، بل يستعمل صيغ الاستدعاء الحميمي مثل "قال لي جلالة الملك وقلت له"، و"دخلت عليه وجلسنا"، مستحضرا لقاءاته مع أعلى سلطات الدولة بلغة تهز تحفظ رجل دولة سابق، ليوحي للرأي العام بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة والكواليس الحصرية التي لا يجرؤ أحد غيره على كشفها. هذا الأسلوب يداعب الفضول الشعبي المتعطش لمعرفة ما يدور في دهاليز السلطة، لكنه في العمق يفرغ العمل السياسي من طابعه المؤسساتي، ليحوله إلى علاقات شخصية بحتة، يحكمها الود أو الجفاء، وتخضع لمزاج اللحظة، بدل أن تحكمها القوانين والدساتير والمصلحة العليا التي تقتضي الوضوح التام والمكاشفة المسؤولة دون حاجة إلى بهارات درامية.
ومن العبث أن ننظر إلى لغة التلميح التي يتقنها الرجل باعتبارها مجرد عجز عن التصريح، بل هي قمة التكتيك الخطابي الذي يتيح له المناورة في كل الاتجاهات دون أن يترك خلفه أي دليل يدينه. إنه يلقي الكلمة ملغومة بالاحتمالات، ويرمي العبارة فضفاضة تحتمل الشيء وضده، ثم يراقب من بعيد كيف تتلقفها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بالتحليل والتأويل. فإذا أحدثت الكلمة الأثر المطلوب وأصابت الخصم في مقتل، انتشى بنشوة النصر الصامت، وإذا حاصرته التساؤلات القانونية أو السياسية وأحرجته أمام مؤسسات الدولة، تراجع خطوة إلى الوراء ببراءة الأطفال، مؤكدا أن الآخرين يعانون من سوء الفهم، وأنه لم يقصد أبدا ما ذهبت إليه ظنونهم السيئة. هذه الشعبوية اللغوية تمنح صاحبها حصانة مطلقة ضد المحاسبة، وتجعله مثل شبح يضرب ويهرب في مساحات الرماد، تاركا المجال العام في حالة تخمين دائم وصخب لا ينتهي، وهو صخب يخدم بقاءه في الواجهة لكنه يفسد ذوق النقاش الديمقراطي الرصين.
إن هذه الآلية الخطابية، وإن كانت فعالة جدا في شحن الأنصار وتعبئة القواعد المستعدة دائما للتصفيق دون تفكير، تضعنا أمام تساؤل جوهري حول المسؤولية الأخلاقية والسياسية للزعيم في فضاء عام يحتاج إلى البناء لا إلى التجييش. كلما ارتفعت مكانة المتحدث في هرم الدولة السابقة، ازدادت مسؤوليته في اختيار ألفاظه وضبط إشاراته، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمؤسسات وطنية حساسة أو بشخصيات عمومية لها وزنها في استقرار البلاد. غير أن منطق الحكواتي لا يعترف بهذه القيود؛ فالقصة يجب أن تكون مثيرة، والتشويق يجب أن يصل إلى ذروته، حتى لو كان الثمن هو التضحية برصانة الخطاب السياسي وهيبة المؤسسات، وتحويل العمل الحكومي السابق إلى مجرد مادة للتندر والتسلية والجدل البيزنطي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في واقع اقتصادي واجتماعي مرير.
ولا يمكن لأي محلل لبيب أن يفهم هذا الأسلوب دون تفكيك تلك الخلطة السحرية الثلاثية التي تشكل العمود الفقري لظاهرة بنكيران، والتي تزاوج بين شعبوية مفرطة، وتوظيف ذكي للمرجعية الدينية، وسردية مظلومية تثير الشفقة والتعاطف. هذه العناصر المتداخلة تشتغل مثل تروس ساعة ميكانيكية دقيقة؛ فإذا غابت الفكرة السياسية حضرت النكتة الشعبية، وإذا غابت الحجة الاقتصادية حضر الاستشهاد بالقرآن، وإذا حوصرت الحصيلة الحكومية بالأرقام والإخفاقات، فتح الرجل صنبور الدموع والمظلومية معلنا أنه ضحية المؤامرة الكونية التي قادتها ضده "التماسيح والعفاريت". هذه الكائنات الخرافية التي أدخلها بنكيران إلى القاموس السياسي المغربي ستبقى واحدة من أكبر الطرائف اللغوية، حيث تحولت قوى المعارضة أو جيوب المقاومة المفترضة إلى حيوانات مرعبة وأرواح شريرة لا يراها غيره، مما يعفيه من تقديم أسماء محددة أو دلائل ملموسة، ويجعل الصراع يبدو وكأنه معركة غيبية بين الخير المطلق والشر المستطير.
الشعبوية في معجم بنكيران ليست مجرد النزول إلى الشارع ومخاطبة الناس بلغتهم، بل هي ممارسة مدروسة لكسر الوقار المصطنع للسياسة التقليدية، لتقديم نفسه في صورة "ابن الشعب البسيط" الذي لم تغيره المناصب ولا الملايين. إنه يتحدث من صالون بيته المتواضع، يرتدي جلبابه المنزلي، يستعمل الأمثال الشعبية والمصطلحات الدارجة المستقاة من قاع المجتمع، ويمزج نقاش السياسات العمومية بتفاصيل حياته اليومية وماذا أكل وماذا قال لزوجته. هذا القرب الرمزي يجعل المستمع العادي يشعر بأنه لا يستمع إلى رئيس حكومة سابق يتقاضى معاشا استثنائيا مريحا، بل يستمع إلى رجل من عائلته أو جاره في الحي، يشاركه همومه اليومية ويلعن معه الغلاء والفساد. لكن هذه البساطة الظاهرة تخفي خلفها ذكاء تواصليا حادا؛ فالقصة العفوية ليست دائما عفوية، والنكتة لا تقال عبثا، بل هي وسيلة لامتصاص غضب الناس وتوجيه انتباههم بعيدا عن القرارات القاسية التي اتخذتها حكومته، مثل رفع الدعم عن المحروقات وإصلاح صندوق التقاعد على حساب جيوب الموظفين.
وعندما تضيق المساحة الشعبوية الدنيوية، يفتح بنكيران شرفة المرجعية الدينية ليضفي على خطابه مسحة من القداسة الروحية التي تعزز موقعه في قلوب مريديه. إنه لا يتحدث كسياسي يبحث عن أصوات انتخابية، بل كواعظ يذكر الناس بالصبر عند الابتلاء، والتوكل على الله، والإخلاص في النية. كلمات مثل "البركة" و"الأجر" و"الآخرة" تحضر بكثافة في خطاباته، مما يجعل التنافس الحزبي الدنيوي يبدو في أعين أتباعه وكأنه صراع بين الحق والباطل، وبين من يريد مصلحة الدين والأمة ومن يحارب القيم الأخلاقية. هذا التوظيف للمقدس في معارك السياسة اليومية يحول الخصوم السياسيين تلقائيا إلى خصوم للقيم التي يمثلها الزعيم، مما يرفع منسوب الاستقطاب الأيديولوجي في المجتمع ويغلق أبواب النقاش العقلاني القائم على تقييم البرامج والنتائج. فكيف يمكنك أن تناقش فاعلا سياسيا في حصيلة قطاع معطل إذا كان يعتبر أن كل ما جرى هو قدر مقدور وابتلاء من الله يجب الصبر عليه؟
وتكتمل اللوحة الدرامية بسردية المظلومية التي تجعل من بنكيران الشهيد الحي للسياسة المغربية. الرجل يتقن لعب دور الضحية التي تعرضت للإقصاء والاستهداف بسبب نزاهتها ورفضها لتقديم التنازلات. إنه يعيد قراءة كل المحطات السياسية، وخصوصا مرحلة "البلوكاج" الحكومي الشهيرة، من خلال عدسة المؤامرة الموجهة ضد شخصه وضد حزبه. لا أحد ينكر أن السياسة صراع مصالح وضغوط وكواليس معقدة، وأن بنكيران واجه صعوبات جمة، لكن تحويل المظلومية إلى عقيدة تواصلية دائمة يصبح تزييفا للمشهد؛ فالرجل قاد الحكومة بولاية كاملة وبأغلبية مريحة وبصلاحيات دستورية واسعة لم يسبق لغيره أن حظي بها، ومع ذلك يصر على تقديم نفسه في صورة العاجز الذي سدت في وجهه الأبواب. هذا الهروب المستمر نحو لوم العوامل الخارجية يحرم التجربة الحزبية والسياسية من فرصة النقد الذاتي والمراجعة الحقيقية، ويجعل الحزب يدور في حلقة مفرغة من البكائية الجماعية التي لا تنتج حلولا للمستقبل بل تنتج مزيدا من الإحباط.
إن المشهد السياسي المغربي اليوم، في ظل الرهانات الاقتصادية والاجتماعية والتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد يمتلك ترف الوقت للاستماع إلى مزيد من القصص والحكايات الشيقة. المواطن الذي يواجه موجات الغلاء، وتراجع الخدمات في المستشفيات العمومية، وأزمة التعليم المستمرة، وبطالة الشباب المتفاقمة، لا يمكنه أن يقتات على النكت السياسية أو يتغذى على سرديات المظلومية القديمة. الحاجة أصبحت ملحة وفورية للانتقال من "سياسة الحكاية" إلى "سياسة الفكرة"، ومن بلاغة الكلام إلى بلاغة الأرقام والمنجزات. الديمقراطية الحقيقية لا تقوى بصناعة الزعماء الظواهر الذين يتقنون أسر القلوب بالخطب العصماء والتلميحات المثيرة، بل تقوى بالمؤسسات القوية، وبالبرامج الواضحة القابلة للتنفيذ والمحاسبة، وبالخطاب المسؤول الذي يحترم ذكاء المواطن ويخاطب عقله قبل عاطفته.
ولعل الدرس الأكبر الذي يجب استخلاصه من ظاهرة عبد الإله بنكيران الخطابية هو أن صلاحية السرديات المؤثرة تنتهي صلاحيتها سريعا عندما تصطدم بصخرة الواقع المعيش. قد ينجح السياسي في حشد الآلاف حول منصته ليستمعوا إلى حكاياته الممتعة ويضحكوا على قفشاته الذكية، وقد ينجح في السيطرة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل لأيام وأسابيع، لكن عندما ينفض السامر ويعود كل مواطن إلى بيته ليواجه واقعه المرير، يكتشف أن الحكاية لم ترفع أجرا، ولم توفر منصبا، ولم تبن مدرسة، ولم تضمن علاجا. ما يبقى في ذاكرة الشعوب وفي تاريخ الأمم ليس حصيلة النقرات والمشاهدات على اليوتيوب، بل حصيلة السياسات العمومية ومدى إسهامها في تحسين شروط العيش الكريم وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة. إن النقاش العمومي الهادئ، المستند إلى الوقائع والحجج الدامغة والاحترام المتبادل بين كل الفاعلين، هو المسار الوحيد الكفيل بترسيخ الممارسة الديمقراطية السليمة، بعيدا عن لغة الإثارة والاستقطاب والتلميحات المبهمة التي تغذي التأويل العقيم وتفسد نبل العمل السياسي.






