هناك أطروحة أعتقد أن الوقت قد حان لمناقشتها بجدية: المغرب لم يعد يعاني من ضعف في صناعة الإنجاز، بل من غياب فلسفة لإدارة الإنجاز بعد تحققه.
قد تبدو كرة القدم بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة تكشفه بوضوح.
فالمنتخب المغربي لم يعد مجرد منتخب. هذه العبارة تُقال كثيرا، لكنها لا تُفهم بالمعنى الذي أقصده. أنا لا أتحدث عن قيمته الرياضية، ولا عن شعبيته، ولا عن نتائجه. أتحدث عن وظيفته داخل المشروع المغربي.
خلال سنوات قليلة، تحول المنتخب إلى أحد أكثر منتجي الصورة المغربية تأثيرا في العالم. ملايين الأشخاص الذين لم يقرأوا عن الاقتصاد المغربي، ولم يتابعوا تطور بنيته التحتية، ولم يطلعوا على تحركاته الدبلوماسية، تعرفوا إلى المغرب من خلال منتخب يحمل علمه ويجسد قصة نجاحه.
وهنا تغيرت طبيعة المنتخب.
لم يعد ينتج انتصارات رياضية فقط، بل أصبح ينتج الثقة في المغرب، والاهتمام بالمغرب، والفضول تجاه المغرب، والاحترام للمغرب. وهذه ليست مشاعر عابرة، بل موارد سياسية واقتصادية وثقافية، لأنها تؤثر في الاستثمار والسياحة والشراكات وفي المكانة الدولية للدولة،،
ومع ذلك، ما زال المغرب يدير هذا الرصيد بعقلية رياضية.
نختلف حول اختيارات المدرب، ونناقش أداء اللاعبين، ونحتفي بالفوز أو نغضب من الهزيمة، بينما يغيب السؤال الذي يطرح نفسه في كل الدول التي تفهم معنى القوة الناعمة: من يدير القيمة التي ينتجها هذا المنتخب؟..؟..لا أقصد من يدير المباريات، بل من يدير أثرها، من يحول كل إنجاز إلى رصيد دائم في صورة المغرب؟
من يحول كل بطولة إلى استثمار في سمعة الدولة؟
من يرصد الحملات التي تستهدف تقزيم هذا الرصيد أو إعادة تفسيره؟
الخطر الذي يواجهه المغرب اليوم ليس أن يُهاجم منتخبه، فكل نجاح يخلق خصوما. الأسوأ أن نتعامل مع هذه الهجمات كما لو كانت مجرد انفعالات رياضية، بينما هي في جوهرها جزء من صراع على المكانة.
الدول لم تعد تتنافس على الجغرافيا وحدها، بل على الإدراك. ومن ينجح في التأثير في إدراك العالم، يربح أكثر مما تربحه الجيوش والأسواق أحيانا. لهذا تستثمر الدول الكبرى في تقديم صورتها كما تستثمر في إدارة اقتصادها، لأنهما أصبحا وجهين للمصلحة الوطنية نفسها.
من هنا، أرى أن المغرب يحتاج إلى مراجعة عميقة، لا في سياسته الرياضية، بل في طريقة تفكيره في النجاح.
لقد نجح في بناء منتخب عالمي، لكنه لم يؤسس بعد مشروعا وطنيا لإدارة القيمة التي ينتجها هذا المنتخب. وهذا هو الفرق بين بلد يصنع الإنجاز، و بلد يحوّل الإنجاز إلى نفوذ متراكم.
لست أدعو إلى إعلام يصفق، ولا إلى مؤسسة ترد على كل منشور أو كل تعليق. هذا فهم ساذج للمسألة. ما أدعو إليه هو مشروع استراتيجي ينطلق من فكرة بسيطة: المنتخب المغربي لم يعد حدثا رياضيا، بل أصبح أصلا وطنيا. والأصول الوطنية لا تُترك لتدافع عن نفسها.
قد يخسر المنتخب مباراة، وقد يخرج من بطولة، فهذا جزء من طبيعة الرياضة. أما أن يخسر المغرب القيمة التي راكمها هذا المنتخب، لأن الدولة لم تتعامل معه باعتباره أحد أهم أصولها الاستراتيجية، فذلك سيكون خسارة لا تُسجل في لوحة النتائج، لكنها تُدفع من رصيد الدولة في العالم.
وربما آن الأوان لأن نعيد صياغة السؤال كله. لم يعد السؤال: ماذا قدم المنتخب للمغرب؟ بل: ماذا أعد المغرب لحماية أحد أهم الأصول التي صنعها بجهد سنوات؟..
وما حدث في كأس إفريقيا الأخير يقدم مثالا واضحا على ما أقول. ففي المغرب، طغت الاتهامات، والاحتجاجات، والسرديات التي شككت في كل تفصيل، حتى كاد الإنجاز يختفي خلف ضجيج الجدل. ثم تكرر نفس المشهد في مباراة السنغال و بلجيكا في الولايات المتحدة، وشهدت ركلة جزاء في الدقيقة الأخيرة، ومع ذلك انتهى المشهد داخل الملعب هادئا، ولم يتحول إلى أزمة ولا إلى حملة تشكيك. وهذا وحده يكشف أن المشكلة ليست دائما في القرارات التحكيمية، بل في الطريقة التي تُصنع بها الروايات حولها، وتُستثمر لتقزيم الإنجاز وصرف الأنظار عن جوهره..فلنحافظ على ثروتنا الرمزية من التشويه السرقة..#ديما_مغرب






