جاهزية المغرب لا تقاس بالحماس فقط، بل بالمسار. بدأ أسود الأطلس بتعادل قوي أمام البرازيل 1-1، ثم فازوا على اسكتلندا 1-0، وعلى هايتي 4-2، ليخرجوا من المجموعة بسبع نقاط، مثل البرازيل، لكن بفارق أهداف أقل. وفي دور الـ32، اصطدموا بهولندا، وتعادلوا 1-1 قبل أن يحسموا ركلات الترجيح 3-2، ثم قدموا أمام كندا في ثمن النهائي واحدة من أذكى مبارياتهم، وفازوا 3-0 بثنائية عز الدين أوناحي وهدف سفيان رحيمي. هذا يعني أن المغرب سجل عشرة أهداف واستقبل أربعة فقط، والأهم أنه عرف كيف يلعب بثلاث طرق: الندية أمام البرازيل، والصبر أمام هولندا، والضرب السريع أمام كندا.
فرنسا، من جهتها، جاءت بأرقام أكثر لمعانا. فازت في المجموعة على السنغال 3-1، وعلى العراق 3-0، وعلى النرويج 4-1، ثم هزمت السويد 3-0 في دور الـ32، قبل أن تعبر باراغواي بصعوبة 1-0. حصيلتها أربعة عشر هدفا مقابل هدفين فقط. غير أن المقارنة الدقيقة تقول إن فرنسا كانت أكثر غزارة وراحة، بينما كان المغرب أكثر اختبارا نفسيا وتكتيكيا. فرنسا سحقت حين وجدت المساحات، لكنها عانت حين واجهت باراغواي المتكتلة؛ وهنا قد يدخل وهبي بمطرقته، فيغلق العمق، ويسرع التحول، ويجعل كل فقدان فرنسي للكرة بداية كابوس.
ولأن الأرقام وحدها لا تكفي، فإن المقارنة الأعمق تظهر في نوعية الخصوم. المغرب واجه البرازيل، مدرسة المهارة والضغط العالي، ثم هولندا، مدرسة التنظيم الأوروبي، ثم كندا صاحبة الأرض والجمهور. أما فرنسا فواجهت منتخبات قوية، لكنها لم تعرف اهتزازا حقيقيا إلا أمام باراغواي، حين انخفضت المساحات وضاق زمن القرار. لذلك تبدو أفضلية فرنسا رقمية، بينما تبدو أفضلية المغرب معنوية وتنافسية: الأسود خرجوا من كل مأزق بصورة أقوى، وتعلموا كيف يربحون بلا استحواذ كبير، وكيف يجعلون التفاصيل الصغيرة، ككرة ثابتة أو هجمة مرتدة، عنوانا لمباراة كاملة.
لاعبا بلاعب، لا يدخل المغرب المباراة عاريا أمام الأسماء. مايك مينيان له ياسين بونو، حارس المواعيد الصعبة. جول كوندي يواجه أشرف حكيمي، قائد الرواق والروح. وليام ساليبا يجد أمامه عيسى ديوب، ودايو أوباميكانو يصطدم بشادي رياض، بينما لوكاس ديني لا يتفوق بسهولة على نصير مزراوي في الذكاء والتمركز. في الوسط، مانو كونيه تقابله طاقة أيوب بوعدي، وأدريان رابيو يواجه أوناحي، اللاعب الذي يعرف كيف يحول الخطوة الصغيرة إلى جملة هجومية كاملة. أما في الهجوم، فمايكل أوليسي تقابله حيلة براهيم دياز، وعثمان ديمبيلي تقابله سرعة رحيمي، وبرادلي باركولا تقابله مرونة بلال الخنوس. ويبقى كيليان مبابي التهديد الأكبر، لكن المغرب لا يضع أمامه لاعبا واحدا فقط؛ يضع أمامه منظومة تبدأ من ضغط الممرر، تمر بحكيمي ومزراوي وديوب، وتنتهي ببونو.
فرنسا تريد أن تجعل المباراة مباراة أسماء، والمغرب يريد أن يجعلها مباراة تفاصيل. فرنسا ستبحث عن الضربة السريعة، والمغرب سيبحث عن اللحظة المناسبة. وإذا نجح الأسود في الصمود أول نصف ساعة، وفي كسر إيقاع الفرنسيين، فإن الضغط سيتحول تدريجيا إلى الجهة الأخرى. عندها قد يشعر المنتخب الفرنسي بأن هذا المغرب ليس خصما عاديا، بل كابوس تكتيكي وروحي.
لذلك، ليست المباراة بين تاريخ فرنسا وطموح المغرب فقط، بل بين فريق يملك نجومية جارفة وفريق يملك ذاكرة جماعية صلبة. نية ركراكي صنعت الثقة: لا خوف من البرازيل، ولا عقدة أمام أوروبا، ولا انهيار أمام الضغط. ومطرقة وهبي أضافت فكرة جديدة: الجرأة في الأدوار، وأوناحي أقرب إلى المرمى، ورحيمي كسلاح يضرب في اللحظة التي يظن فيها الخصم أنه أمسك بالمباراة. وإذا كان ربع النهائي حلما فرنسيا نحو اللقب، فقد يتحول إلى حلم مزعج.






