رياضة

زئير أسود الأطلس يهز مدرجات أمريكا.. انتصار المغرب على هولندا ثمرة رؤية ملكية ومشروع كروي وطني

منير لكماني
شكل إنتصار المنتخب المغربي على نظيره الهولندي في كأس العالم 2026 محطة بارزة في مسار كرة القدم الوطنية، ليس فقط بإعتباره فوزا رياضيا على منتخب أوروبي عريق، بل بوصفه تتويجا لمسار طويل من العمل المؤسسي، والتخطيط الإستراتيجي، والتراكم التقني والبشري. فقد أكد هذا الإنتصار أن كرة القدم المغربية إنتقلت من مرحلة المشاركة من أجل الحضور إلى مرحلة المنافسة الفعلية على أعلى المستويات، مستندة إلى رؤية واضحة، وإرادة جماعية، وروح وطنية عالية.

ولا يمكن فهم هذا التحول النوعي في مسار كرة القدم المغربية بمعزل عن السياسة الملكية الرشيدة في المجال الرياضي، التي جعلت من الرياضة رافعة للتنمية، وفضاء لتأطير الشباب، ومجالا لتعزيز الإشعاع الوطني على الصعيد الدولي. فقد أولى جلالة الملك محمد السادس عناية خاصة لتطوير البنيات الرياضية، وتشجيع الإستثمار في التكوين، وترسيخ ثقافة الحكامة والإحتراف، بما جعل الرياضة الوطنية، وفي مقدمتها كرة القدم، جزءا من مشروع وطني متكامل يقوم على بناء الإنسان، وصناعة الكفاءة، ورفع راية المغرب في المحافل الكبرى.

جاءت المباراة أمام هولندا في سياق تنافسي صعب، نظرا لقيمة الخصم وتاريخه الكروي ومدرسته الفنية المعروفة بالانضباط التكتيكي وسرعة التحول وبناء اللعب. غير أن المنتخب المغربي دخل المواجهة بشخصية قوية، وبوعي كبير بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. وقد أظهر اللاعبون قدرة لافتة على التعامل مع ضغط المباراة، سواء من الناحية البدنية أو النفسية أو التكتيكية، وهو ما عكس نضجا واضحا في أداء المجموعة، وتطورا كبيرا في عقلية المنتخب.

لم يكن الفوز وليد لحظة عابرة أو نتيجة حماس ظرفي، بل كان ثمرة منظومة متكاملة بدأت ملامحها تظهر خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري الذي إضطلع به فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في تنزيل هذه الرؤية الرياضية على أرض الواقع، من خلال إعادة هيكلة المشهد الكروي الوطني، وتوفير الشروط الضرورية لصناعة منتخب قادر على التنافس دوليا. فقد ساهمت السياسة الكروية التي قادها في تطوير البنيات التحتية، وتعزيز مراكز التكوين، والإهتمام بالمنتخبات بمختلف فئاتها، إضافة إلى الإنفتاح على الكفاءات المغربية داخل الوطن وخارجه.

إن حضور فوزي لقجع في هذا المسار لا يمكن إختزاله في الجانب الإداري فقط، بل يتعداه إلى بلورة رؤية رياضية متكاملة تقوم على الإحتراف، والإستمرارية، وربط النتائج بالعمل القاعدي. كما أن عمله داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم جاء منسجما مع التوجه العام الذي جعل من الرياضة المغربية مشروعا مؤسساتيا لا يقوم على الإرتجال، بل على التخطيط، والحكامة، وتراكم الخبرات. ولذلك، فإن مشهد حمله من طرف لاعبي المنتخب الوطني بعد الإنتصار لم يكن مجرد لحظة إحتفالية عفوية، بل كان تعبيرا رمزيا عن الإعتراف بالدور الذي قام به في مواكبة هذا الجيل، ودعم طموحاته، وتوفير البيئة المناسبة لتألقه في المحافل الكبرى.

ومن جهة أخرى، لا يمكن قراءة هذا الإنجاز دون التوقف عند الدور التقني للمدرب محمد وهبي، الذي أدار المواجهة بذكاء وهدوء وثقة. فقد نجح في إعداد المجموعة ذهنيا وتكتيكيا، وتعامل مع أطوار المباراة بواقعية كبيرة، دون التخلي عن الطموح والرغبة في الفوز. كما أظهر المنتخب تحت قيادته إنسجاما واضحا بين الخطوط، وإنضباطا دفاعيا، وقدرة على التحول السريع، وهي عناصر أساسية في مواجهة منتخب بقيمة هولندا.

أما اللاعبون، فقد كانوا العنوان الأبرز لهذه الملحمة. فقد قدموا كل ما في جعبتهم من جهد وقتالية، ودافعوا عن القميص الوطني بروح عالية، وأثبتوا أن الإنتماء إلى المنتخب لا يقاس بالموهبة وحدها، بل بالإلتزام، والإنضباط، والإستعداد للتضحية من أجل المجموعة. لقد جسدوا داخل الملعب صورة اللاعب المغربي الحديث: واثق من نفسه، منضبط تكتيكيا، قوي ذهنيا، ومؤمن بقدرته على مقارعة كبار العالم.

ويكتسب هذا الانتصار أهميته أيضا من أثره الرمزي في الوعي الجماعي المغربي. فقد وحد مشاعر المغاربة داخل الوطن وخارجه، وجدد الثقة في قدرة الرياضة على صناعة الفرح الجماعي وتعزيز الإحساس بالانتماء. كما بعث رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن المغرب لم يعد رقما هامشيا في كرة القدم الدولية، بل أصبح نموذجا صاعدا يجمع بين الموهبة، والتنظيم، والرؤية المؤسساتية، والإرادة السياسية الداعمة للنجاح الرياضي.

إن إنتصار المغرب على هولندا في كأس العالم 2026 لا ينبغي النظر إليه بإعتباره حدثا معزولا، بل بإعتباره ثمرة مشروع وطني متكامل، تلتقي فيه السياسة الملكية الرشيدة، والعمل المؤسساتي للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وكفاءة الجهاز التقني، وقتالية اللاعبين، ودعم الجماهير. إنه إنتصار يؤكد أن النجاح في كرة القدم الحديثة لم يعد رهينا بالمهارة الفردية وحدها، بل صار مرتبطا بالمنظومة، والتخطيط، والإستمرارية، وحسن تدبير الموارد البشرية والتقنية.

وبذلك، يرسخ المنتخب المغربي مكانته بين كبار المنتخبات، ويؤكد أن أسود الأطلس لا يكتفون بالحضور المشرف، بل يسعون إلى صناعة المجد وكتابة التاريخ. لقد كان الفوز على هولندا ملحمة رياضية بكل المقاييس، وإنعكاسا صادقا لطموح وطن آمن، تحت القيادة الملكية الرشيدة، بأن الإستثمار في الإنسان، والتنظيم، والعمل الجاد، قادر على تحويل الحلم إلى إنجاز، والطموح إلى واقع، والفرحة الوطنية إلى صفحة مضيئة في سجل التاريخ الرياضي المغربي.