سياسة واقتصاد

مؤسسة إمارة المؤمنين.. السر الحضاري وراء الاستثناء المغربي في التسامح الديني

الصادق العثماني (باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني)
لم يكن التسامح الديني في المغرب نتاج ظرف سياسي عابر أو استجابة لضغوط دولية معاصرة، بل هو خيار حضاري متجذر في تاريخ الدولة المغربية، ارتبط منذ قرون بمؤسسة إمارة المؤمنين التي شكلت إحدى أهم ركائز الاستقرار الديني والسياسي. فقد استطاعت هذه المؤسسة، عبر تعاقب الدول المغربية، ولاسيما في ظل الدولة العلوية الشريفة، أن تؤسس لنموذج فريد في تدبير الشأن الديني، يقوم على الجمع بين حماية الثوابت الإسلامية وصيانة حقوق الإنسان، وترسيخ قيم العدل والرحمة والتعايش، انطلاقاً من المبادئ الإسلامية التي جعلت كرامة الإنسان أساس العمران، وجعلت الاختلاف سنة كونية لا مبرراً للصراع والإقصاء.

وقد كرس الدستور المغربي هذا الاختيار الحضاري حين نص في الفصل الحادي والأربعين على أن جلالة الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، هو الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، وهي صيغة دستورية تعكس خصوصية النموذج المغربي، إذ تجعل المرجعية الدينية عاملاً للوحدة والاستقرار، لا وسيلة للهيمنة أو الإقصاء. فإمارة المؤمنين ليست مجرد لقب تاريخي أو وظيفة دستورية، وإنما مؤسسة دينية وسيادية تضطلع بحماية الدين، وصيانة الأمن الروحي للمجتمع، والحفاظ على وحدة المرجعية الدينية، ومواجهة كل أشكال الغلو والتطرف والانحراف.

وليس الحديث عن التسامح الديني في المغرب مجرد تنظير فكري، بل هو امتداد لمسار تاريخي طويل، شهدت فيه المملكة تعايش المسلمين واليهود والمسيحيين في ظل سلطة الدولة المغربية. فقد احتضنت مدن فاس ومراكش ومكناس والصويرة وتطوان وغيرها جاليات يهودية ازدهرت في مجالات التجارة والطب والصناعة والدبلوماسية، وعاشت في ظل حماية السلاطين، وأسهمت في بناء الحضارة المغربية، دون أن يتحول الاختلاف الديني إلى عامل صراع أو تمييز.

ومع قيام الدولة العلوية الشريفة في القرن السابع عشر، اكتسبت مؤسسة إمارة المؤمنين بعداً أكثر رسوخاً في حماية السلم الديني. فقد عمل السلطان المولى إسماعيل على تأمين جميع رعايا الدولة، وحماية الطائفة اليهودية وممتلكاتها، واستعان بعدد من الشخصيات اليهودية في المهام التجارية والدبلوماسية، إيماناً بأن خدمة الوطن والكفاءة لا ترتبطان بالانتماء الديني. كما واصل السلطان سيدي محمد بن عبد الله هذا النهج عندما أسس مدينة الصويرة، وجعل منها ميناءً عالمياً احتضن المسلمين واليهود والأوروبيين في إطار من التعاون والاحترام المتبادل، لتتحول المدينة إلى نموذج مغربي مبكر للتعددية الثقافية والدينية.

وتبرز محطة السلطان المغفور له محمد الخامس باعتبارها من أكثر المحطات إشراقاً في تاريخ التسامح الديني بالمغرب. فخلال الحرب العالمية الثانية، رفض كل أشكال التمييز التي حاولت سلطات حكومة فيشي الفرنسية فرضها على اليهود المغاربة، مؤكداً أن اليهود هم رعايا السلطان، يتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها باقي المواطنين، وأن الدولة المغربية لا تفرق بين أبنائها بسبب الدين أو المعتقد. وقد ظل هذا الموقف الإنساني شاهداً على أن إمارة المؤمنين لم تكن في يوم من الأيام أداة لحماية المسلمين وحدهم، بل مؤسسة ترعى كرامة جميع رعايا الدولة.

ويستمد هذا النموذج قوته من المرجعية الإسلامية ذاتها، فالقرآن الكريم لم يجعل الاختلاف الديني سبباً للعداء، وإنما اعتبره سنة من سنن الله في خلقه، قال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾، وقال سبحانه: ﴿لا إكراه في الدين﴾، كما قرر مبدأ العدل مع المخالفين في العقيدة بقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾. ومن هنا، فإن إمارة المؤمنين لم تكن خروجاً عن روح الإسلام، وإنما تجسيداً عملياً لمقاصده الكبرى في حفظ الدين والنفس والكرامة الإنسانية.

لقد أدرك المغرب مبكراً أن حماية الأمن الروحي للمجتمع لا تتحقق بالشعارات، وإنما ببناء مؤسسات دينية قوية، تحفظ وحدة المرجعية الدينية وتحول دون انتشار الفكر المتطرف. ولذلك استند النموذج المغربي إلى الثوابت الدينية المتمثلة في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، باعتبارها مرجعيات تاريخية ضمنت الاعتدال والتوازن، وأبعدت المجتمع المغربي عن الصراعات المذهبية التي شهدتها مناطق أخرى من العالم الإسلامي.

وفي العهد الزاهر لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، شهدت هذه المؤسسة نقلة نوعية، حيث تم إطلاق إصلاح شامل للحقل الديني، وإعادة تنظيم المجالس العلمية، وتأهيل العلماء والمرشدين والمرشدات، وإنشاء معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الذي أصبح قبلة لطلبة العلم من مختلف الدول الإفريقية والأوروبية، لنقل التجربة المغربية في الوسطية والاعتدال ومواجهة الفكر المتطرف.

كما عززت المملكة حضورها في مجال الحوار بين الأديان من خلال مبادرات عملية، كان من أبرزها استقبال قداسة البابا فرنسيس سنة 2019، والتوقيع على "نداء القدس"، الذي أكد على ضرورة الحفاظ على الطابع الروحي والحضاري المتعدد لمدينة القدس، وصيانة حرية أتباع الديانات السماوية الثلاث، في رسالة تؤكد أن إمارة المؤمنين تمثل مرجعية دينية منفتحة على قيم السلام والتعايش، وتدافع عن كرامة الإنسان بغض النظر عن انتمائه الديني.

ومن أبرز مظاهر هذا التوجه أيضاً العناية التي أولتها الدولة المغربية للمكون العبري باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، حيث نص دستور المملكة لسنة 2011 على الروافد العبرية ضمن مكونات الهوية المغربية، كما شهدت السنوات الأخيرة إعادة ترميم عشرات المعابد والمقابر اليهودية، والمحافظة على التراث العبري المغربي، بما يعكس رؤية تعتبر التنوع الثقافي والديني رصيداً وطنياً وحضارياً، لا عامل انقسام.

لقد أثبتت التجربة المغربية أن الدين عندما يكون مؤطراً بمؤسسة شرعية راسخة، وبمرجعية علمية معتدلة، يتحول إلى عامل للاستقرار والتنمية، لا إلى أداة للصراع والاستقطاب. ولذلك لم يسمح المغرب بتحويل الدين إلى مجال للمزايدات السياسية أو الصراعات الإيديولوجية، بل ظل الدين مجالاً للوحدة الوطنية، ومصدراً لترسيخ قيم المواطنة والعيش المشترك.

إن العالم اليوم، وهو يواجه تصاعد موجات التطرف والكراهية، في أمس الحاجة إلى استلهام التجارب الناجحة التي استطاعت التوفيق بين الحفاظ على الهوية الدينية والانفتاح على القيم الإنسانية. وتأتي مؤسسة إمارة المؤمنين في مقدمة هذه التجارب، لأنها تقدم نموذجاً عملياً يوازن بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة، ويؤكد أن الإسلام في جوهره دين رحمة وعدل وسلام.

ولذلك فإن إمارة المؤمنين ليست مجرد مؤسسة دستورية أو إرث تاريخي للدولة العلوية الشريفة، بل هي مشروع حضاري متجدد، أثبت عبر التاريخ المغربي قدرته على حماية الوحدة الدينية، وصيانة التعددية الثقافية، وترسيخ قيم التسامح والاعتدال، ومواجهة الغلو والتطرف، بما جعل المملكة المغربية تقدم للعالم نموذجاً متميزاً في التعايش بين الأديان، وفي توظيف المرجعية الدينية لخدمة الإنسان، وتعزيز الأمن الروحي، وترسيخ ثقافة السلام، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.