في فجر الأحد 20 شتنبر 2026، ستتراجع عقارب الساعة في المغرب ساعةً كاملة. لحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها تُسدل الستار على تجربة أثارت جدلاً شعبياً متواصلاً لم تهدأ جمراته منذ سنوات. الإعلان جاء على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، صريحاً ومباشراً: العودة إلى توقيت غرينيتش قرار نهائي، مُقنَّن بمرسوم حكومي، ولا رجعة فيه. غير أن البساطة الظاهرة لهذا الإعلان لا تعكس عمق ما يحمله من أبعاد، إذ نادراً ما يكون قرار إداري من هذا القبيل مجرد تعديل تقني وهذا القرار بالذات ليس كذلك.
قبل أي قراءة سياسية أو اجتماعية، لا بد من تصحيح خطأ شائع تداوله كثيرون في النقاشات العامة، وهو الادعاء بأن الساعة الإضافية "مكرّسة بمرسوم دستوري" ولا تُلغى إلا بإجراءات تشريعية معقدة. الحقيقة القانونية أن هذا التوقيت اعتُمد أصلاً بموجب مرسوم تنفيذي لا بنص دستوري، وما دام المرسوم هو الأداة التي أنشأته، فإن مرسوماً آخر كافٍ تماماً لإلغائه. لا تناقض قانونياً هنا، بل انسجام في المنطق الإجرائي. وهذا الخلط بين ما هو دستوري وما هو تنفيذي لم يكن بريئاً في كل الأحوال فهو غذّى شائعات وضخّم تعقيداً حيث لا تعقيد حقيقي، وصرف النظر عن السؤال الأجدى: لماذا الآن؟
التوقيت هو مفتاح قراءة هذا القرار. ثمة من يرى فيه مناورة انتخابية، ويربطه بالاستحقاقات القادمة التي يقترب موعدها. وهي قراءة مفهومة في سياق سياسي مغربي اعتاد المراقبون فيه على ربط كل قرار شعبي بحساب انتخابي. غير أن هذه القراءة تصطدم بمعطى لا يمكن تجاوزه: رئيس الحكومة عزيز أخنوش أعلن خروجه من حزب التجمع الوطني للأحرار وترك رئاسته، وهذه آخر ولاية حكومية له. رجل في نهاية مساره التنفيذي لا يُحسب عادةً لانتخابات لن يكون طرفاً فيها بنفس الصفة. لا يعني هذا غياب الحسابات السياسية كلياً فالحكومة ككيان جماعي تبقى حساسة للرأي العام لكنه يُفقد تفسير "القرار الانتخابي الخالص" كثيراً من قوته التفسيرية.
الأقرب إلى الحقيقة، في تقديري، أننا أمام حكومة تستعد للخروج وتريد أن تُغلق ملفات ظلت شوكة في جنبها طوال ولايتها. وإلغاء الساعة الإضافية كان أحد أكثر المطالب الشعبية تكراراً ووضوحاً مطلب بلا لون سياسي محدد، يجمع عليه اليساري والمحافظ، المديني والقروي، الموظف والطالب. في مثل هذا الملف، لا تحتاج الحكومة إلى شجاعة سياسية كبيرة لتقول نعم ما تحتاجه هو أن تتوفر الإرادة على فعل ذلك في الوقت المناسب، وقد فعلت.
والسبب العميق لهذه الإرادة ليس سياسياً بالدرجة الأولى، بل اجتماعي بامتياز. الكلفة الحقيقية للساعة الإضافية لم تكن تظهر في الأرقام الاقتصادية، بل في المشاهد اليومية التي يعيشها المغاربة كل شتاء: الطلاب يغادرون منازلهم في الظلام، الأسر تتذمر من اضطراب النوم، الأطفال والمسنّون يعانون من اختلال الإيقاع البيولوجي الذي لا يُرى لكنه يُحسّ. هذه ليست شكاوى عاطفية إنها معطيات صحية وإنتاجية موثقة في أدبيات الطب والاقتصاد السلوكي. في المقابل، بقيت الحجج الاقتصادية المؤيدة للساعة الإضافية ترشيد الطاقة والتوافق مع السوق الأوروبية مجردة وغير موثقة بدراسات علنية شفافة. وحين يجد المواطن أمامه خسارة يومية ملموسة في مقابل مكسب اقتصادي مبهم، فإن حكمه يصير واضحاً مهما طال التأخير.
أما على صعيد التداعيات، فإن الصورة لا تخلو من تعقيد. اجتماعياً، يُتوقع أن يشعر المغاربة، خاصة الأسر والأطفال، بانفراج حقيقي خلال أشهر الشتاء القادمة حين تتزامن ساعات الدراسة والعمل مع ضوء النهار الطبيعي. اقتصادياً، ستجد بعض الشركات العاملة مع الأسواق الأوروبية نفسها مضطرة إلى إعادة جدولة مواعيدها، خاصة حين يتسع فارق التوقيت خلال فترات التوقيت الصيفي الأوروبي. غير أن التحولات التي يشهدها سوق العمل من انتشار العمل عن بُعد وتوسع المرونة في ساعات الدوام قلّصت بالفعل الضرورة الاقتصادية لتوحيد التوقيت مع القارة. أما على الصعيد الإداري والتقني، فثمة فترة انتقالية ستتطلب تنسيقاً دقيقاً في قطاعات النقل والطيران والاتصالات، وهي تحديات قابلة للإدارة لكنها تستوجب استعداداً مسبقاً وتواصلاً مؤسسياً واضحاً.
لكن الدرس الأعمق الذي يكشفه هذا الجدل الممتد لا يتعلق بالساعات، بل بطريقة اشتغال العلاقة بين الدولة والمجتمع في صنع القرار العام. حين تُبنى السياسات على مبررات تقنية واقتصادية دون تواصل مجتمعي حقيقي، تتحول حتى القرارات الإدارية البسيطة إلى ملفات خلافية تستنزف الطاقة السياسية لسنوات. الحكومات السابقة لم تُقنع المغاربة بجدوى الساعة الإضافية لأنها لم تتحدث إليهم بشكل كافٍ ولم تُنشر معطيات دقيقة ولم يُقَم نقاش عام منظم. فكانت النتيجة سياسة تستند إلى توافق نخبوي في غياب شرعية شعبية وهو مسار يضمن الاحتقان لا الاقتناع.
وهذا تحديداً ما يمنح قرار الإلغاء قيمة رمزية تتجاوز التوقيت. إنه اعتراف ضمني، متأخر لكنه حاضر، بأن جودة الحياة اليومية للمواطن ليست هامشاً في معادلة الحكم بل هي صلبها. ومتى تحول قرار إداري كتغيير الساعة إلى موضوع نقاش مجتمعي يمتد سنوات، فهذا لا يعني أن المواطنين يبالغون في حساسيتهم، بل يعني أن الزمن في حياة الناس ليس رقماً على لوحة إنه جزء من إيقاع الوجود وتوازن الحياة اليومية.
تبقى عودة المغرب إلى توقيت غرينيتش، في نهاية المطاف، أكثر من تعديل للساعات. إنها نهاية فصل وبداية سؤال: هل ستستخلص الحكومات القادمة الدرس وتجعل التواصل والشفافية منهجاً لا استجابةً للضغط؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة وللمرة الأولى منذ سنوات، يسير الزمن المغربي في اتجاه واحد مع نبض ساكنته.






