مجتمع وحوداث

الحد الأدنى لدخل الكرامة.. نحو عقد اجتماعي جديد

عبد السلام الصديقي (جامعي وخبير اقتصادي ووزير سابق)

ماذا سيحدث لو أن التقدم التكنولوجي مكّن من إنتاج المزيد والمزيد من الثروات مع تدخل بشري يتناقص باستمرار؟ ومن ينبغي أن يستفيد من مكاسب الإنتاجية التي يولدها الذكاء الاصطناعي والأتمتة واقتصاد البيانات؟ هذه الأسئلة، التي كانت تُعتبر قبل عقود قليلة من قبيل الخيال العلمي، أصبحت اليوم تحتل مكانة مركزية في النقاش حول مستقبل مجتمعاتنا.

وراء هذه التساؤلات يكمن سؤال أكثر جوهرية: ما هو الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي الذي يجب أن تضمنه الجماعة السياسية لكل فرد من أعضائها، حتى يتمكن من العيش بكرامة وممارسة مواطنته بشكل كامل؟

الدخل الشامل: مفهوم مثير للجدل

لفترة طويلة، تجسدت هذه الفكرة أساسًا من خلال مفهوم الدخل الشامل، أي منح كل مواطن دخلًا مستقلًا عن نشاطه المهني وموارده المالية. وقد كان هذا الاقتراح يُنظر إليه طويلًا باعتباره فكرة طوباوية، لكنه عاد اليوم إلى واجهة النقاش بفعل التحولات التي يشهدها عالم العمل نتيجة الثورة الرقمية.

غير أن فكرة الدخل المضمون أقدم بكثير من النقاشات المعاصرة حول الذكاء الاصطناعي. فمنذ نهاية القرن الثامن عشر، دافع توماس باين عن مبدأ تخصيص منحة لكل فرد كتعويض عن الاستحواذ الخاص على الموارد الطبيعية. ثم أعاد مفكرون من توجهات مختلفة تناول هذه الفكرة، مثل برتراند راسل وبعض التيارات الاشتراكية، وكذلك اقتصاديون ليبراليون من أمثال ميلتون فريدمان. ويُظهر تنوع المدافعين عنها أن المسألة تتجاوز الانقسامات الإيديولوجية التقليدية، وترتبط بسؤال دائم حول العدالة الاجتماعية وتقاسم الثروات.

بالنسبة للاقتصاديين الليبراليين، يمثل الدخل الشامل أداة لتبسيط السياسات الاجتماعية؛ إذ يمكن أن يعوض تعدد برامج المساعدة بآلية واحدة أكثر شفافية وأقل تكلفة من الناحية الإدارية. ومن هذا المنظور، لا يُعدّ تشكيكًا في اقتصاد السوق، بل وسيلة لتصحيح بعض اختلالاته.

أما بالنسبة لجزء من الفكر النقدي، فإن تطور التقنيات الرقمية يكشف عن تناقض متزايد: ففي الوقت الذي أصبح فيه خلق الثروة يعتمد أكثر فأكثر على المعارف الجماعية والبيانات والابتكارات التي ينتجها المجتمع ككل، تميل عوائد هذه الثروة إلى التركز في أيدي مالكي رأس المال التكنولوجي. ومن ثم يظهر الدخل الشامل كأداة لإعادة توزيع الثروة وتحقيق تقاسم أكثر عدالة لثمار التقدم.

ويؤكد أنصاره أيضًا أنه يمكن أن يساهم في الاعتراف بأنشطة أساسية غالبًا ما يتجاهلها السوق وتثمينها، مثل العمل المنزلي، وتربية الأطفال، والعمل الجمعوي، والإبداع الثقافي، ورعاية الأشخاص في وضعية تبعية.

غير أن هذا التقارب بين تقاليد فكرية متعارضة لا ينبغي أن يخفي اختلافاتها العميقة. فبالنسبة للبعض، يشكل الدخل الشامل وسيلة لترشيد دولة الرعاية الاجتماعية، بينما يراه آخرون مدخلًا إلى تحول أكثر جذرية في العلاقة بين العمل والدخل والتنظيم الاجتماعي.

لكن، بعيدًا عن هذه النقاشات، يبقى السؤال مطروحًا: هل يكمن التحدي الحقيقي للقرن الحادي والعشرين في ضمان دخل متماثل للجميع بغض النظر عن أوضاعهم ومواردهم، أم في الاعتراف بحق كل إنسان في امتلاك الوسائل الضرورية لحياة كريمة؟ هذه الرؤية الثانية هي التي تقود تدريجيًا إلى فكرة “الحد الأدنى لدخل الكرامة”، ليس باعتباره مجرد مساعدة للفقراء، بل تعبيرًا عن قاعدة جديدة للتضامن الوطني.

العمل والتقدم التكنولوجي والحق في حياة كريمة

لا تقتصر الانتقادات الموجهة للدخل الشامل على تكلفته أو طرق تمويله، بل تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: ما المكانة التي ينبغي أن يستمر العمل في احتلالها داخل مجتمعاتنا؟

فمنذ بدايات التصنيع، لم يكن العمل مجرد وسيلة لتأمين العيش، بل كان عاملًا للاندماج الاجتماعي، ومصدرًا للاعتراف الفردي، وفضاءً للتعلم والتفاعل والمشاركة في البناء الجماعي للمجتمع. إن مجتمعًا تُقصى فيه فئات واسعة بشكل دائم عن أي نشاط إنتاجي قد يشهد أشكالًا جديدة من الإقصاء، حتى وإن تم ضمان دخل مادي لها.

وهكذا، فإن التحدي الحقيقي ليس استبدال العمل بإعانة مالية، بل ضمان أن يتوفر كل فرد على حد أدنى من الأمن الاقتصادي وعلى الوسائل التي تسمح له بالمشاركة الكاملة في الحياة الاجتماعية. لذلك لا ينبغي النظر إلى الحد الأدنى لدخل الكرامة باعتباره تشجيعًا على البطالة، بل حماية من الهشاشة والإقصاء، تسمح لكل شخص ببناء مساره الشخصي والمهني بحرية أكبر.

التجارب الدولية ودروسه

تقدم التجارب التي أُجريت في عدة بلدان دروسًا مفيدة لهذا النقاش. ففي فنلندا، أظهرت التجربة التي أُجريت بين سنتي 2017 و2018 تحسنًا في الرفاه النفسي والثقة لدى المستفيدين، دون تسجيل انخفاض ملحوظ في رغبتهم في العمل. وفي كندا، أظهرت تجربة"مينكوم في سبعينيات القرن الماضي آثارًا إيجابية على الصحة، والنجاح الدراسي، واستقرار الأسر. أما في ألاسكا، فإن الأرباح السنوية الموزعة على جميع السكان من عائدات النفط تمثل نموذجًا أصليًا لتقاسم جماعي لثروة طبيعية. كما أظهرت تجارب أحدث في الولايات المتحدة والهند نتائج مشجعة في مجال الحد من الفقر وتعزيز الأمن الاقتصادي.

ومع ذلك، يجب التعامل مع هذه التجارب بحذر، لأنها كانت محدودة من حيث الزمن وشملت فئات سكانية معينة، ولم تجب بشكل كامل عن السؤال الحاسم: كيف يمكن تمويل ضمان دخل مستدام على مستوى أمة بأكملها؟ ولذلك فإن النقاش لا يتعلق فقط بالفعالية الاجتماعية لمثل هذه الآلية، بل أيضًا بقدرتها على الاستمرار اقتصاديًا وبالخيارات الجماعية التي تفرضها في مجالات الضرائب وإعادة توزيع الثروة.

إن صعود الذكاء الاصطناعي يمنح هذا النقاش اليوم بعدًا جديدًا. فالتقدم في مجال الأتمتة والأنظمة الذكية قد يؤدي إلى تحول عميق في تنظيم العمل وفي توزيع المداخيل. وكما حدث خلال الثورات الصناعية السابقة، من المرجح أن تظهر مهن جديدة بينما تختفي أخرى. لكن السؤال الأساسي يظل قائمًا: من سيستفيد من المكاسب الاستثنائية في الإنتاجية التي تتيحها هذه التقنيات؟

إذا تركزت الثروات التي يخلقها الاقتصاد الرقمي بين أيدي عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، فإن التفاوتات الاجتماعية قد تتفاقم، مما قد يهدد التماسك الاجتماعي. ومن هذا المنظور، لا يشكل الحد الأدنى لدخل الكرامةً بالضرورة قطيعة مع مجتمع العمل، بل يمثل محاولة لتكييف العقد الاجتماعي مع اقتصاد أصبحت فيه عملية خلق الثروة تعتمد بشكل متزايد على رأس المال التكنولوجي والمعرفة والبيانات.

وقد لا تكون الثورة الحقيقية القادمة هي اختفاء العمل، بل إعادة تعريف الآليات التي توزع من خلالها المجتمعات ثمار التقدم الاقتصادي. فالتحدي لا يكمن فقط في إنتاج المزيد من الثروات، بل في ضمان استفادة كل فرد منها بالقدر الذي يسمح له بحياة كريمة.

الحد الأدنى لدخل الكرامةً: أفق جديد للدولة الاجتماعية المغربية

إذا كان النقاش حول الدخل الشامل يُطرح غالبًا في البلدان المتقدمة باعتباره استجابة لمخاطر اختفاء الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، فإنه يطرح في بلد مثل المغرب بصيغة مختلفة. فالتحديات الأساسية التي يواجهها المغرب ترتبط باقتصاد في مرحلة انتقالية، يتميز باستمرار أهمية القطاع غير المهيكل، والتفاوتات المجالية، وارتفاع بطالة الشباب، وضعف مشاركة النساء في سوق العمل، ومحدودية الموارد المالية العمومية.

في هذا السياق، لا يتثل السؤال الأساسي في ما إذا كان ينبغي منح جميع المواطنين دخلًا موحدًا وغير مشروط، بل في تحديد الحد الأدنى من الموارد والحماية التي يعتبرها المجتمع الوطني ضرورية لضمان حياة تليق بكرامة كل مواطن.

يمكن، إذن، تعريف الحد الأدنى لدخل الكرامة باعتباره حقًا اجتماعيًا أساسيًا يضمن لكل شخص، عندما تكون موارده الذاتية غير كافية، الحصول على الوسائل الضرورية لتلبية حاجاته الأساسية: التغذية السليمة، والسكن في ظروف لائقة، والولوج إلى العلاج، وضمان تعليم الأطفال، والمشاركة في الحياة الاجتماعية.

ولا يعني هذا التصور أن تحل الدولة محل العمل أو المبادرة الفردية. بل على العكس، فهو يقوم على تحقيق التوازن بين التضامن والمسؤولية. إذ تظل أفضل حماية اجتماعية هي الولوج إلى عمل لائق ومنتج. لذلك ينبغي تصور الحد الأدنى لدخل الكرامةً باعتباره شبكة أمان تحول دون الوقوع في الهشاشة القصوى، على أن يواكبه تنفيذ سياسات نشطة لخلق فرص الشغل، والتكوين المهني، والإدماج الاقتصادي للشباب، والإدماج التدريجي للقطاع غير المهيكل.

لقد شرع المغرب بالفعل في إحداث تحول عميق في نموذجه الاجتماعي. فتعميم التأمين الإجباري عن المرض، وتوسيع نطاق التعويضات العائلية، وإحداث السجل الاجتماعي الموحد، والتفكير في توسيع الحماية ضد البطالة، كلها مؤشرات على بروز تدريجي لقاعدة جديدة للتضامن الوطني. وقد يشكل موضوع الحد الأدنى لدخل الكرامةً إحدى المراحل المقبلة لهذا التطور، شريطة أن يتم تصوره بشكل تدريجي، وقابل للاستدامة من الناحية المالية، ومتكيف مع الواقع الاقتصادي للبلاد.

غير أن تطبيقه سيطرح حتمًا عدة تحديات، من بينها تحديد عتبة للكرامة تحظى بقبول اجتماعي، واعتماد آليات شفافة لتحديد المستفيدين، وتعبئة موارد ضريبية كافية، والبحث عن توازن بين المساعدة العمومية وتحفيز النشاط الاقتصادي. لذلك ينبغي ألا يقتصر النقاش على قيمة الإعانة المالية، بل يجب أن يتناول نوع المجتمع الذي نرغب في بنائه.

إن الرهان الحقيقي للقرن الحادي والعشرين قد لا يكون ضمان دخل دون مقابل لكل فرد، وإنما الاعتراف بأن كل إنسان، بمجرد انتمائه إلى الجماعة الوطنية، يمتلك الحق في العيش في ظروف تحفظ كرامته. وفي عالم تطبعه التحولات التكنولوجية، وأشكال جديدة من الهشاشة، وتفاقم الفوارق الاجتماعية، يمكن أن يصبح الحد الأدنى لدخل الكرامةً أحد الركائز الأساسية لعقد اجتماعي جديد يوفق بين العدالة الاجتماعية، والمسؤولية الفردية، والتنمية الاقتصادية.