سياسة واقتصاد

هنا يباع الثلج.. أخبرني ماذا ترفض أخبرك من أنت

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)
لا أعتقد أن ما جرى داخل مجلس المستشارين كان مجرد تصويت عادي على مقترحي قانون يتعلقان بتسقيف أسعار المحروقات وتأميم شركة لاسامير، فالمقترحات التشريعية تسقط وتنجح كل يوم في البرلمانات، أما اللحظات السياسية الكاشفة فتبقى نادرة، لأنها لا تكشف المواقف من النصوص بقدر ما تكشف المواقف من المبادئ التي طالما رفعتها الأحزاب في خطاباتها ووعودها.

لقد اختارت الأغلبية الحكومية إسقاط المقترحين، وهو حق ديمقراطي لا ينازعها فيه أحد، غير أن من حق الرأي العام بدوره أن يقرأ الدلالات السياسية لهذا الاختيار، وأن يقارن بين ما سمعه طوال سنوات من حديث عن الدولة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية، وبين ما جرى عندما تحولت تلك الشعارات إلى اختبار عملي تحت قبة البرلمان.

فالمحروقات ليست سلعة عادية يمكن حصر آثارها في محطات الوقود، بل هي الثمن الخفي الذي يتسلل إلى كل شيء؛ إلى النقل والإنتاج والتوزيع والغذاء والخدمات، ولذلك فإن أي نقاش حول القدرة الشرائية يمر حتما عبر النقاش حول أسعارها وآليات ضبطها. أما لاسامير، فقد تجاوزت منذ زمن طويل وضعها كشركة متعثرة لتصبح رمزا لسؤال أكبر يتعلق بحدود السيادة الاقتصادية للدولة وقدرتها على الاحتفاظ بأدوات استراتيجية في قطاع حيوي وحساس.

ولهذا فإن ما استوقفني في هذا التصويت ليس سقوط المقترحين في حد ذاته، وإنما الرسالة السياسية التي خرجت من خلاله. فالأغلبية لم تصوت ضد تسقيف أسعار المحروقات فحسب، بل صوتت ضد حقها المستقبلي في الادعاء بأنها لا تملك وسائل التدخل. فمن يرفض الأداة اليوم يفقد حق التذرع غدا بالعجز عن استعمالها، ومن يسقط بإرادته السياسية إحدى وسائل التأثير في السوق لا يمكنه لاحقا أن يطلب من المواطنين تفهم محدودية خياراته أو ضيق هامش حركته.

لقد كان بإمكان الأغلبية أن تختلف مع المقترحين وأن تقدم بدائلها وأن تدافع عن رؤية اقتصادية مغايرة، لكن ما حدث كشف شيئا أكثر أهمية من المقترحين نفسيهما، وهو أن الحديث عن الدولة الاجتماعية يبدو صلبا وقويا ما دام حبيس الخطب والبرامج الانتخابية، لكنه يصبح أكثر هشاشة عندما يتحول إلى التزام سياسي يقتضي اتخاذ موقف واضح من أدوات التدخل لحماية المواطنين.

واللافت أكثر أن النقاش لم يتجه بعد التصويت نحو شرح أسباب الرفض وتبرير الاختيار السياسي والاقتصادي للرأي العام، بل انصرف بسرعة إلى استدعاء معارك الماضي وإعادة فتح ملفات تعود إلى أكثر من عقد من الزمن، وكأن أفضل وسيلة للدفاع عن قرارات الحاضر هي الهروب إلى الماضي. غير أن المواطن الذي يؤدي اليوم ثمن الوقود، ويواجه "اليوم" آثار الغلاء، ويعيش "اليوم" تحت سلطة الحكومة الحالية، لا يبحث عن تفسير تاريخي للأزمة بقدر ما يبحث عن معرفة ما إذا كانت السلطة التي تحكمه "اليوم" راغبة فعلا في استعمال ما يتوفر لها من أدوات للتدخل أم لا.

في تلك الجلسة لم تسقط لاسامير ولم يسقط تسقيف الأسعار، بل سقط آخر جدار كانت الأغلبية تختبئ خلفه وهي تدعي أن انحيازها للمواطن يسبق انحيازها للسوق، وأن حماية القدرة الشرائية تمثل أولوية سياسية تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى. ذلك أن السياسة، في نهاية المطاف، لا تقاس بما تقوله الأحزاب عن نفسها، وإنما بما تفعله عندما تضطر إلى الاختيار.

لقد اختارت الأغلبية،وهذا حقها.

لكن من حق المغاربة أيضا أن يتذكروا هذا الاختيار كلما قيل لهم مستقبلا إن الدولة لا تملك الوسائل الكافية للتدخل، أو إن السوق أقوى من إرادة الحكومة، أو إن هامش الحركة محدود. فالحقيقة التي سجلتها محاضر مجلس المستشارين واضحة وبسيطة: من يرفض امتلاك المفتاح لا يحق له بعد ذلك أن يشتكي من الباب المغلق..و مسك الختام ما قاله الرئيس توماس وودرو ويلسون " "الأفعال هي المعيار الحقيقي للنوايا"..