أصدرت وزارة الداخلية بتاريخ 10 يونيو 2022 دورية موجهة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم وعمال المقاطعات ورؤساء الجماعات الترابية، تتعلق بالإشهاد على صحة الإمضاء في المحررات والوثائق العرفية المرتبطة بالتصرفات والمعاملات العقارية.
وتأتي هذه الدورية في سياق الحرص على ضمان احترام المقتضيات القانونية المنظمة للحقوق العينية العقارية، ولاسيما المادة 4 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، التي أوجبت إبرام التصرفات المنشئة أو الناقلة أو المعدلة أو المسقطة للحقوق العينية العقارية في محررات رسمية أو في محررات ثابتة التاريخ يحررها محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض.
وأكدت الدورية أن بعض المصالح المختصة بالإشهاد على صحة الإمضاء ما زالت تتلقى وتؤشر على محررات عرفية تتضمن تصرفات عقارية تمس بحقوق عينية عقارية خارج الأشكال القانونية المحددة، معتبرة أن هذا الأمر من شأنه الإسهام في إضفاء مظهر المشروعية على تصرفات قد تكون باطلة قانونا.
ولذلك دعت إلى الامتناع عن الإشهاد على صحة الإمضاء في كل محرر عرفي يتضمن نقل أو ترتيب أو تعديل أو إقرار بحق عيني عقاري خارج الإطار القانوني المقرر.
غير أن هذه الدورية تثير تساؤلا مهما بخصوص مدى انسجامها مع
مقتضيات الفصل 618-3 مكرر (Article 618-3 ter)
من قانون الالتزامات والعقود، المضاف بموجب القانون رقم 107.12من
المتعلق ببيع العقار في طور الإنجاز
فقد نص هذا الفصل على أنه يمكن للبائع والمقتني، قبل إبرام العقد الابتدائي، إبرام عقد حجز لاقتناء عقار في طور الإنجاز «بمحرر رسمي أو بمحرر ذي تاريخ ثابت»، وفق الشكل المتفق عليه بين الطرفين. كما أجاز المشرع إبرام هذا العقد قبل إبرام العقد الابتدائي شريطة الحصول على رخصة البناء واستيفاء البيانات القانونية اللازمة.
ومن خلال قراءة متأنية لهذا المقتضى يتبين أن عقد الحجز لا يترتب عنه نقل الملكية أو إنشاء حق عيني عقاري، وإنما يشكل اتفاقا تمهيديا يروم حجز الوحدة العقارية لفائدة المقتني إلى حين إبرام العقد الابتدائي أو النهائي.
ولذلك أجاز المشرع تحريره في محرر ذي تاريخ ثابت دون اشتراط الشكل الرسمي.
وبناء عليه، فإن مجال تطبيق الدورية يظل منحصرا في التصرفات المنشئة أو الناقلة أو المعدلة للحقوق العينية العقارية، في حين أن عقد الحجز المنصوص عليه في الفصل 618-3 مكرر لا يندرج ضمن هذه التصرفات، لكونه لا يرتب أثرا عينيا مباشرا على العقار محل التعاقد.
وعليه، فإن التوفيق بين الدورية والفصل 618-3 مكرر يقتضي تفسير الدورية في حدود التصرفات العقارية الناقلة أو المنشئة للحقوق العينية، دون التوسع في تطبيقها على عقود الحجز التي أجاز المشرع صراحة إبرامها بمحرر ذي تاريخ ثابت.
كما أن مبدأ تدرج القواعد القانونية يقتضي إعطاء الأولوية للنص التشريعي متى كان واضحا وصريحا، باعتباره أعلى مرتبة من الدورية الإدارية التي تظل مجرد وسيلة لتفسير وتوحيد تطبيق النصوص القانونية.
وبذلك يظل النقاش مفتوحا حول كيفية التوفيق بين متطلبات الأمن العقاري التي تسعى الدورية إلى تكريسها، وبين المقتضيات الخاصة التي أقرها المشرع لتسهيل التعاقد في مجال بيع
. العقارات في طور الإنجاز.
كوثر جلال(محامية بهيئة الدار البيضاء)






