حددت الحكومة تاريخ 23 شتنبر 2026 موعداً لإجراء انتخابات أعضاء مجلس النواب، بناء على مرسوم خاص صادقت عليه خلال اجتماع مجلسها في الخامس من مارس الماضي..، قدمه وزير الداخلية. كما تقرر بموجب ذات المرسوم تحديد فترة الحملة الانتخابية؛ ما بين 10 و22 شتنبر القادم.
إن الدعوة إلى إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، قد يكون برهانا من طرف السلطات على احترام الزمن التشريعي، ويوفر مدة كافية للهيئات السياسية، للقيام بالاستعدادات المطلوبة في أفق تنظيم هذه الاستحقاقات، ومعها محاولة استعادة ثقة الناخبات والناخبين المفقودة في الحياة والممارسة السياسية بصفة عامة، فضلا عن المساهمة في انخراط المواطنات والمواطنين، وفي مقدمتهم فئة الشباب وكذلك الرفع من نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة.
لكن بالمقابل لا ينبغي نسيان بأن أزمة المشاركة السياسية، ترتبط أساسا بـأزمة ثقة عميقة في المؤسسات والفاعلين السياسيين، حسب ما يمكن استنتاجه من العديد من الآراء، وهو ما تعكسه كذلك معطيات رسمية حول حجم الاختلالات في تدبير الشأن العام، منها متابعة 302 منتخبا في قضايا تتراوح وتختلف طبيعتها من جنائية و جنحية إلى إدارية، فضلا عن إحالة عشرات الملفات على القضاء من طرف مؤسسات الحكامة والرقابة.
ميديا الاعلام
إن تحديات ورهانات الانتخابات المقبلة، واستشراف سيناريوهاتها، يتطلب مقاربة خاصة، لكن الأمر يتعلق هنا بمحاولة التوقف عند الدور الذي تضطلع برسم هذه الاستحقاقات، ميديا الاعلام التي أضحت تكتسي أهمية بالغة، بفضل الثورة الرقمية، خاصة على مستوى نشر الأخبار وترويج المعلومات. كما جعل هذا التطور التكنولوجي، الرقابة تصبح في مهب الريح. هذه المتغيرات مكنت الصحافة والاعلام، من أن تستعيد دورها كسلطة مضادة، مستقلة وسلطة رقابة ، خاصة على مدبري الشأن العام.
كما ساهمت هذه التحولات، في أن تصبح وسائل الإعلام بمثابة "مؤسسة ديمقراطية " بالبلدان المتحضرة، تلعب دورا رئيسا في حماية المواطنات والمواطنين من تغول وتدخل السلطة في ممارسة حرياتهم الفردية والجماعية، مما جعل العلاقة بين الإعلام والدولة، تتسم في غالب الاحيان بمزيد من التعقيد التوتر، في الوقت الذي يعتبر تحرر أي مجتمع، يظل رهينا بجعل السلطة ببعديها المادي والرمزي موضع المساءلة.
وعلى الرغم من أن دور وقدرة ميديا الاعلام على تعزيز الديمقراطية لازالت جد محدودة، فإن هناك من يحمل وسائل الاعلام والاتصال، المسؤولة عن السلبيات التي تعاني منها الديمقراطيات الناشئة أو تلك التي تعرف انتقالا ديمقراطيا، في الوقت الذي يلاحظ من جهة أخرى بأن دور الإعلام، لم ينل الاهتمام الكافي من جانب الأوساط العلمية والأكاديمية التي تشتغل على قضايا الانتخابات والتحول الديمقراطي .
الاعلام والوساطة
لكن في ظل الحالة التي تكون فيها مؤسسات الوساطة، منها الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، قد فقدت مصداقيتها، فإن الإعلام، يظل حاضرا، لكونه لازال من بين الأدوات الرئيسة لتوجيه وتشكيل الرأي العام، فضلا عن نشر الأخبار وتوفير المعلومات المخالفة خاصة تلك المرتبطة بتدبير الشأن العام.
وعلى المستوى الوطني، إذا كان الإعلام والديمقراطية يرتبطان تاريخيا، بعلاقات وثيقة، فإن هناك من السياسيين من يرى بأنه يتعين النظر والتعامل مع الوضع الإعلامي في ظل ما يصفه ب" تلويث السياسة بالمال والتطبيع مع تضارب المصالح"، بدعوى أن الديمقراطية، ليست مجرد مؤسسات وفصل للسلطات وقضاء مستقل، بل كذلك يرتبط بمدى تمكن المواطنات والمواطنين، بشكل يومي من ممارسة الديمقراطية، وذلك حتى تتطور وتزدهر، وأن يترافق ذلك مع إطلاق إعلام تعددي، حر ومستقل، يساهم في تنشيط النقاش السياسي والثقافي والاجتماعي بالبلاد.
وعلى المستوى التشريعي، فدستور 2011 نص لأول مرة، على الحق في الاعلام، وأن حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية، مع ضمان حق الجميع في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية، مع الزام السلطات العمومية بالتشجيع على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، واحترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع .
الذاتي والموضوعي
بيد أن تفعيل غالبية هذه المقتضيات الدستورية، لا يزال يصطدم بإكراهات ذاتية وموضوعية، في مقدمتها، بيئة الممارسة الإعلامية، والنقص الحاصل في التربية الإعلامية، وتراجع منسوب أخلاقيات المهنة، وعدم استيعاب مختلف الفاعلين، للأدوار الهامة التي تضطلع بها وسائل الاعلام والاتصال، ليس فقط في مجال النهوض بحرية التعبير وحقوق الإنسان، ولكن أيضا في تحقيق التنمية المستدامة.
وعلى الرغم من أن القواعد الأخلاقية للإعلام في زمن الانتخابات، تظل بصفة عامة هي ذاتها قيما ثابتة في الأداء الصحافي، فإن هذه المبادئ، تكتسى أهمية خاصة إبان فترة الاستحقاقات الانتخابية، من خلال التقيد بعدة مبادئ بهذه المناسبة في طليعتها التعريف وتحسيس الناخبات والناخبين وتعريفهم (ن ) بحقوقهم (ن ) وبمواعيد التسجيل والطعن وتزويدهم بالمعلومات الكافية عن برامج المرشحين الانتخابية بما يعطيهم أفضل فرص الاختيار.
تغطية الانتخابات
فضلا عن ذلك تقع على وسائل الاعلام، ضمان تغطية شاملة ومتوازنة للعملية الانتخابية وبدون تحيز، مع توخى الإنصاف والدقة والموضوعية، مع ضمان حق كافة الهيئات السياسية من الولوج لوسائل الإعلام العمومية، معارضة وأغلبية بدون اقصاء وتمييز، مع الامتناع عن الدعوة إلى الكراهية و العنصرية والتحريض على العنف والتطرف، مع ضمان وسائل الاعلام لحق الرد وبالسرعة الممكنة، لأي مرشح أو هيئة سياسية تعرضت لاتهام عبر وسيلة إعلامية والنقل الصادق للأنباء ونشرها وكذلك ضمان الحق في إبداء آراء نقدية بشكل عادل و توفير تغطية منصفة للمرشحين فيما يتعلق بالإحداث والنشاطات الانتخابية التي يشاركون فيها والتي تستحق التغطية الإخبارية.
غير أن التساؤل الرئيسي الذي يظل مطروحا هل ستتمكن وسائل الاعلام الوطنية من رفع هذه التحديات في الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر المقبل؟. إن نجاح المواكبة الإعلامية لهذه الاستحقاقات، يتطلب ضمان حرية تداول المعلومات حتى تلك المخالفة، ويقتضى كذلك مدى توفر بيئة ديمقراطية وحرية للتعبير، تكون ملائمة للفعل الإعلامي، ووجود اعلاميين مهنيين لهم مؤهلات وقدرات تؤهلهم لمواكبة وتغطية الاستحقاقات الانتخابية بنفس يرتكز على اعلام الحقيقة، وعدم السقوط في التضليل والتعتيم.
رهانات الثقة
إن وسائل الاعلام في ظل ما يلاحظ من انعدام الثقة في المرحلة الراهنة، في العمل السياسي، تظل في حاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لترجمة رسالتها النبيلة، في مجالات الاخبار والتثقيف والترفيه مع التقيد بمبادئ أخلاقيات المهنة، في التعاطي مع الانتخابات، باستقلالية ونزاهة. وحول مدى تمكن ميديا الإعلام والاتصال من تعزيز ثقافة سياسية ديمقراطية ، أم أنها تذهب في تجاه تقويض الثقة والمشاركة السياسية؟ فإن وسائل الإعلام، تصور العملية السياسية على أنها "سباق خيول، وألعاب تخلق صورة مشوهة للسياسة وهو ما يغدى اتجاه التشاؤم منها لدى المواطنات والمواطنين، في الوقت الذي يحمل آخرون، وسائل الاعلام، مسؤولة، " تآكل رأس المال الاجتماعي، كوننها تغدي النزعة الفردية والاتجاه نحو الانسحاب من الحياة العامة"، كما يسجل بعض الباحثين.
بيد إنه إذا كانت نزاهة وتنافسية العملية الانتخابية، لا تقتصر على سلامة صناديق الاقتراع أو إجراءات التصويت، فإن وسائل الاعلام تلعب دورا مهما في مجمل التغطية الإعلامية للأطراف المتنافسة في الانتخابات، وكذلك صيانة حقوق المشاركين في عملية الاقتراع في معرفة برامج المرشحين والتعرف على هيئاتهم السياسية ومواقفها، وذلك بدون تدخل أو احتكار يفسد تنوع وتعددية الرسالة الإعلامية. غير أن احتكار وسائل الاعلام العمومية السمعية البصرية يحول دون نمو إعلام حر وتعددي، مما يساهم على عكس ذلك في تقويض فرص ولوج قوى المعارضة للإعلام، والدفاع عن برامجها وتقديم أفكارها وآرائها للناخبين.
المهنية والتوازن
وعلى الرغم من غياب الإجراءات التي يتعين إتباعها من طرف وسائل الاعلام خلال الانتخابات، وفق ما هو ملزم في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن هناك ممارسات ومعايير يمكن استخلاصها من مبادئ قانونية دولية تؤطر العلاقة ما بين الإعلام والانتخابات، يتمحور أغلبها، حول الانتخاب الحر، والمشاركة السياسية، وحرية الرأي والتعبير.
فضلا عن ذلك، توجد مجموعة من المحددات الأساسية للدور الذي ينبغي أن يقوم به الإعلام والاتصال في مواكبة الاستحقاقات الانتخابية، في مقدمتها ضمان الحرية والتعددية الإعلامية مع حماية الاعلام من تدخل وتعسف السلطة، وكفالة الحق في إصدار وتملك وإدارة المؤسسات الإعلامية ، وتوفر مقومات استقلالية المؤسسات الإعلامية، ( الإدارة، والسياسات التحريرية)، وتمثيل مختلف التيارات السياسية والفكرية السائدة بالمجتمع.
غير أن وسائل الاعلام مطالبة بدورها الالتزام بالمهنية والموضوعية والتقيد بالتوازن في مواكبة الانتخابات مع الانفتاح على كافة الآراء، عوض أن تتحول خلال العمليات الانتخابية إلى مكبر صوت ووسيلة قد تستغلها الإدارة لإقصاء بعض الهيئات السياسية المعارضة.






