هذا الوطن... الذي حاول الانتهازيون قرصنته... بنحت مفاهيم مزيفة... وصناعة التصدع باسم الوطنية...
هذا المغرب الذي عبر الزمن، لم تكن الدولة فيه مجرد حدود مرسومة على الخرائط ولا مجرد مؤسسات إدارية تتغير أسماؤها بتغير الحكومات والظروف...
كانت وسيظل أعمق من ذلك بكثير مما يروج له صناع الوهم...
هو عمق حضاري تراكم طبقة فوق طبقة حتى أصبح جزءا من الوعي الجماعي للمغاربة، وجزءا من صورتهم عن أنفسهم وعن جوهر الاستمرار وسط عالم لا يتوقف عن التحول.
لقد عرفت شعوب كثيرة لحظات قوة ثم اختفت من التاريخ، وعرفت دول كثيرة فترات ازدهار ثم تحولت إلى خرائب سياسية وأطلال اجتماعية. أما المغرب فبقي واقفا رغم الزلازل السياسية والعسكرية والاقتصادية التي عصفت بمحيطه الإقليمي والدولي. والسر لا يكمن فقط في الجغرافيا أو في توازنات القوة، بل في وجود فكرة مركزية ظلت تؤمن الاستمرارية التاريخية للدولة وتمنع انقطاعها عن ذاتها.
هذه الفكرة هي الملكية باعتبارها مؤسسة استمرارية لا باعتبارها مجرد سلطة حكم.
فالملكية في الوجدان الشعبي المغربي ليست مجرد جهاز دستوري يباشر اختصاصات سياسية. إنها، بالنسبة لقطاعات واسعة من المجتمع، التعبير الأسمى عن وحدة الدولة واستمرارها عبر الأجيال. ولذلك فإن علاقتها بالفئات الشعبية تختلف جذريا عن علاقتها بالنخب المستفيدة أو الطبقات المترفة.
الفقراء لا ينظرون إلى الدولة بالطريقة نفسها التي ينظر بها أصحاب الامتيازات. الأول يرى فيها الملاذ الأخير حين تتعطل الآليات الأخرى، والثاني يراها مجالا لتوسيع النفوذ وتعظيم الأرباح. الأول يبحث عن الحماية، والثاني يبحث عن الامتياز.
ومن هنا يبدأ التناقض الكبير الذي يفسر جزءا مهما من المشهد المغربي المعاصر.
فحين يهتف الفقير «عاش الملك»، فإنه لا يهتف من موقع المنتفع الذي يملك كل شيء، بل من موقع الإنسان الذي فقد معظم الأشياء وما زال يبحث عن معنى للثقة في المستقبل. يهتف وهو يحمل هموم العلاج والتعليم والسكن والشغل والكرامة. يهتف أحيانا من قلب المعاناة نفسها.
أما الانتهازي، فإنه يرفع الشعار نفسه من موقع مختلف تماما.
يرفعه باعتباره رأسمالا رمزيا يمكن استثماره.
يرفعه باعتباره بطاقة عبور إلى مراكز النفوذ.
يرفعه باعتباره وسيلة لحماية المصالح.
وهنا تكمن المأساة الأخلاقية.
الكلمات نفسها قد تبدو متشابهة، لكن المعاني التي تسكنها مختلفة إلى حد التناقض.
ليس سرا أن شرائح واسعة من المغاربة تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية قاسية....هناك قرى ما زالت تنتظر تنمية حقيقية...وهناك أحياء هامشية تكافح يوميا ضد التهميش...وهناك شباب يحمل الشهادات ويطارد فرصة عمل تبدو أحيانا أبعد من الأفق....وهناك أسر تستنزفها تكاليف العلاج والمعيشة.
ورغم ذلك كله، لم يتحول هذا الاحتقان الاجتماعي إلى حقد اجتماعي لفكرة الدولة.
بل إن المفارقة المغربية تكمن في أن الفئات الأكثر هشاشة هي في الغالب الأكثر تشبثا باستقرار الدولة وحب الملكية...
والسبب بسيط.
فالفقير غرازئيا يدرك أن الفوضى لا تؤذي الأغنياء بالقدر نفسه الذي تؤذي به الفقراء.
الأغنياء يملكون بدائل كثيرة.
يمكنهم السفر.
يمكنهم تحويل أموالهم.
يمكنهم شراء الخدمات.
أما الفقراء فلا يملكون سوى وطنهم.
ولهذا فإنهم يتمسكون باستقراره كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة الأخيرة.
إنهم يدركون بفطرتهم السياسية البسيطة أن انهيار الدولة لا يعني العدالة، بل يعني غالبا مزيدا من المعاناة.
لهذا لا ينفصل مطلب الكرامة لديهم عن مطلب الاستقرار... عن شعار "عاش الملك"...
ولا ينفصل النقد الاجتماعي لديهم عن الحرص على استمرار المؤسسات... ليسوا مفكرين... لكنهم ملكيون... دون نظرية ولا غنيمة...
لكن بين الدولة والمجتمع نشأت عبر العقود طبقة كاملة من الوسطاء.
وسطاء السياسة.
وسطاء الاقتصاد.
وسطاء الإدارة.
وسطاء النفوذ.
هذه الطبقة لم تنتج ثروتها من الإبداع أو الابتكار أو الإنتاج الحقيقي دائما، بل أنتجت جزءا كبيرا من قوتها من موقعها الوسيط بين السلطة والمجتمع.
إنها تعيش على المسافة الفاصلة بين القرار والمواطن.
كلما اتسعت تلك المسافة ازدادت أرباحها.
ولهذا لا مصلحة لها في بناء مؤسسات قوية وشفافة تقلص الحاجة إلى الوساطة.
فالشفافية تهدد وجودها.
والكفاءة تهدد نفوذها.
والاستحقاق يهدد امتيازاتها.
لهذا تتحول أحيانا إلى قوة محافظة تقاوم كل إصلاح حقيقي يمكن أن يحرر الدولة من شبكات المصالح المتراكمة داخلها.
كيف تتحول الوطنية إلى تجارة؟
أخطر ما يفعله الانتهازيون ليس سرقة المال العام فقط.
فالمال يمكن تعويضه.
لكن ما يصعب تعويضه هو تآكل الثقة.
حين يصبح الشعار الوطني وسيلة للارتقاء الاجتماعي.
وحين تتحول الرموز الكبرى إلى أدوات للمزايدة.
وحين يتم الخلط بين خدمة الوطن وخدمة المصالح الخاصة.
فإن المجتمع يبدأ تدريجيا في فقدان ثقته في الخطاب العام.
وهنا يبدأ التآكل البطيء للدولة من الداخل.
الدول لا تسقط دائما بالحروب.
أحيانا تسقط حين يتوقف المواطن عن تصديق الكلمات.
حين يصبح الفرق شاسعا بين الخطاب والواقع.
بين الشعارات والنتائج.
بين الوعود والحياة اليومية.
عندها تتراكم خيبات الأمل حتى تتحول إلى أزمة ثقة عميقة.
ولا تكتمل منظومة الريع دون السيطرة على المجال الرمزي.
فكل بنية فساد تحتاج إلى خطاب يبررها.
وتحتاج إلى مثقفين يزينون صورتها.
وتحتاج إلى إعلاميين يخفون تناقضاتها.
وتحتاج إلى خبراء يصنعون لها الأرقام المناسبة.
ولهذا يصبح الوعي نفسه ساحة صراع.
يصبح التعليم ساحة صراع.
والثقافة ساحة صراع.
والصحافة ساحة صراع.
فالفساد لا يحب العقول الحرة.
ولا يحب النقد.
ولا يحب الأسئلة المزعجة.
إنه يفضل دائما مواطنا مستهلكا للخطاب لا منتجا للفكر.
ومصفقا للواقع لا محللا له.
ومرددا للشعارات لا متأملا لمعانيها.
ولهذا فإن معركة الوعي ليست ترفا ثقافيا.
إنها معركة وطنية بامتياز...
إن القيمة الحقيقية لأي مؤسسة تاريخية لا تقاس بما يقوله المنتفعون عنها، بل بما تمثله للفئات التي لا تملك شيئا سوى الأمل.
ومن هذه الزاوية تحديدا تكتسب الملكية معناها العميق في المخيال الشعبي المغربي.
ليس لأنها فوق النقد.
ولا لأنها بديل عن المؤسسات.
بل لأنها تمثل لدى قطاعات واسعة فكرة الدولة المستمرة التي تتجاوز الحكومات والأحزاب والظروف العابرة.
وحين يشعر المواطن بأن بعض المسؤولين فشلوا في أداء واجبهم، فإنه يتطلع إلى مستوى أعلى من السلطة طلبا للإنصاف.
هذه الظاهرة ليست مجرد موقف سياسي.
إنها تعبير اجتماعي عن البحث المستمر عن العدالة.
لكن العدالة لا تتحقق بالرموز وحدها.
بل تحتاج إلى مؤسسات فعالة.
وقوانين عادلة.
ومحاسبة صارمة.
ونخب نظيفة اليد.
من يحمي الوطن حقا؟
ليس من يرفع الشعارات أكثر هو من يحمي الوطن أكثر.
فالوطن لا تحميه الكلمات وحدها.
تحميه النزاهة.
تحميه الكفاءة.
تحميه العدالة.
تحميه الشجاعة في مواجهة الفساد.
تحميه الجرأة على قول الحقيقة.
تحميه القدرة على وضع المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة.
العامل الذي يخلص في عمله يحمي الوطن.
والمعلم الذي يؤدي رسالته يحمي الوطن.
والطبيب الذي يعالج بضمير يحمي الوطن.
والصحفي الذي يكشف الفساد يحمي الوطن.
والقاضي الذي ينصف المظلوم يحمي الوطن.
أما الذين يحولون الوطنية إلى وسيلة للإثراء، فهم يسيئون إلى الوطن حتى وهم يتحدثون باسمه
وربما كانت الصورة الأكثر تعبيرا عن المغرب اليوم هي صورة ذلك الوطن الذي يمشي فوق نفسه.
وطن مثقل بالجراح لكنه يواصل السير.
وطن يئن لكنه لا يسقط.
وطن يعيش تناقضات حادة بين طموحاته الكبيرة وإكراهاته الثقيلة.
فيه ملايين البسطاء الذين يستيقظون كل صباح ليصنعوا الحياة رغم قسوة الظروف.
وفيه أيضا من يحاولون استغلال تلك التضحيات لتحقيق مصالح ضيقة.
لكن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تبنى بالانتهازية.
ولا تحفظها شبكات الريع.
ولا تنقذها الشعارات الفارغة.
الذي يبني الأوطان حقا هو ذلك الرصيد الأخلاقي الهائل المختبئ في صدور الناس البسطاء.
في يد العامل.
وفي جبين الفلاح.
وفي صبر الأم.
وفي أحلام الشباب.
وفي ضمير كل مواطن يرى في الوطن قضية مشتركة لا غنيمة شخصية.
لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الملكية وخصومها، ولا بين الدولة والمجتمع، بل بين مشروعين متناقضين:
مشروع يريد دولة قوية عادلة تحمي الضعفاء وتفتح أبواب الكرامة أمام الجميع.
ومشروع آخر يعيش على الهامش المظلم للدولة، يتغذى من الفساد والوساطة والامتيازات، ويختبئ خلف الشعارات حتى لا يراه أحد.
أما الفقراء الذين يواصلون حمل الوطن فوق أكتافهم المنهكة، فهم يدركون الحقيقة البسيطة التي حاول التاريخ مرارا أن يثبتها: أن استقرار الأوطان لا يكتمل إلا بالعدالة، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بصلابة مؤسساتها، بل أيضا بقدرتها على حماية أبنائها الأكثر هشاشة، وأن الولاء الصادق لا يكون بالتصفيق للواقع كما هو، بل بالمساهمة في جعله أكثر إنصافا وكرامة ووفاء لأحلام الذين لم يملكوا يوما سوى هذا الوطن.






