رأي

كمال سليماني: بين النقد المشروع و خطاب الكراهية: عندما تصبح الأمازيغية هدفًا للاتهامات الجاهزة

مع كل مناسبة ثقافية أمازيغية، أو مهرجان تراثي، أو نقاش يتعلق باللغة والثقافة والهوية الأمازيغية، يتكرر مشهد أصبح مألوفًا لدى المتابعين. فبدل أن ينصب النقاش على الجوانب الثقافية أو التاريخية أو الفنية، تتحول بعض المنصات إلى فضاء لتبادل الاتهامات وإطلاق الأحكام المسبقة ضد كل ما له علاقة بالأمازيغية.


فمن حق أي شخص أن ينتقد مهرجانًا أو عادة أو ممارسة معينة، وأن يعبر عن رأيه بحرية وفي إطار الاحترام المتبادل، لكن ما يثير الاستغراب





 هو أن بعض الأصوات لا تكتفي بالنقد، بل تنتقل مباشرة إلى تخوين الأشخاص والجمعيات والفعاليات الثقافية، وتربطها بمشاريع أو أجندات خارجية دون تقديم أي دليل موضوعي أو معطيات موثوقة تدعم هذه الادعاءات.


واللافت أكثر أن هذه الحملات لا تستهدف حدثًا بعينه أو نشاطًا محددًا، بل تمتد في كثير من الأحيان إلى اللغة الأمازيغية نفسها، وإلى الرموز الثقافية والتاريخية المرتبطة بها، وكأن مجرد الاعتزاز بالهوية الأمازيغية أصبح عند البعض أمرًا يستدعي الشك أو الاتهام. كما يتم أحيانًا توظيف مفاهيم دينية أو سياسية أو إيديولوجية في غير سياقها لتحويل نقاش ثقافي مشروع إلى معركة مفتعلة لا تخدم الحوار ولا التعايش.


إن الأمازيغية ليست فكرة طارئة على المغرب، وليست مشروعًا مستوردًا من الخارج، بل هي مكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية المغربية، وجزء من تاريخ هذا البلد وحضارته الممتدة عبر قرون طويلة. وقد اعترف بها الدستور المغربي باعتبارها لغة رسمية للبلاد إلى جانب العربية، في إطار رؤية تقوم على التنوع والوحدة والتكامل بين مختلف الروافد الثقافية للمجتمع المغربي.


ومن الطبيعي أن يعتز الأمازيغ بلغتهم وثقافتهم وتراثهم، تمامًا كما يعتز أي شعب أو مجموعة إنسانية بموروثها الثقافي والحضاري. فالحفاظ على التراث ونقله للأجيال القادمة ليس فعلًا عدائيًا تجاه أي طرف، ولا يمثل تهديدًا لوحدة الوطن، بل يساهم في تعزيز التنوع الثقافي الذي يشكل مصدر غنى للمجتمعات الحديثة.


إن الاختلاف في الرأي أمر صحي ومطلوب، والنقاش المفتوح حول القضايا الثقافية حق مكفول للجميع، لكن هذا النقاش يفقد قيمته عندما يتحول إلى منصة للتخوين أو نشر الكراهية أو إلصاق التهم بالأفراد والجماعات دون أدلة. فالمجتمعات لا تتقدم بالإقصاء، ولا ببناء الصور النمطية، بل بالحوار واحترام التعدد والاعتراف بحق الجميع في التعبير عن هويتهم وانتمائهم الثقافي.


وفي النهاية، تبقى الأمازيغية ملكًا لجميع المغاربة، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الجماعية والتاريخ المشترك لهذا الوطن. والدفاع عنها أو الاحتفاء بها لا ينبغي أن يُفهم على أنه موقف ضد أي مكون آخر، بل هو دفاع عن التنوع الثقافي الذي كان دائمًا أحد أبرز عناصر قوة المغرب واستقراره ووحدته.


فاحترام الأمازيغية ليس امتيازًا لفئة دون أخرى، بل هو احترام لجزء أصيل من تاريخ المغرب وهويته الوطنية الجامعة.