تتناول هذه المقاربة قراءة تركيبية لقصائد مختارة من الباب الثاني *هبوب الظل* من ديوان *جنون الظل* للشاعر المغربي محمد مرزاق، الصادر سنة 2017، مع استحضار نصوص لاحقة مثل *باب البحر* و*يمتد السؤال بحرا في عينيك*. ولتوضيح الخلفية الرمزية، لا بد من الوقوف عند العتبة المركزية للديوان: جنون الظل.
فالجنون هنا ليس اختلالًا عقليا، بل احتجاج وجودي وثورة على العقلانية المقيِّدة، فيما الظل ليس مجرد أثر فيزيائي، بل رمز مركب يتراوح بين الوجود والعدم، بين الحضور والغياب، بين الأنا والآخر. كما أشار ابن منظور: "من لا ظل له فهو ميت"، مما يجعل الظل أصلًا في الوجود، حركةً تتقلص وتتمدد في علاقتها بالضوء. بهذا المعنى، يصبح الظل فضاءً أنطولوجيًا تحتضن فيه الذات جراحها وتواجه به محو المدينة، وهو ما يجعل قراءة العرائش في قصائد مرزاق امتدادًا لهذه الثنائية الرمزية: مدينة تُكتب بالجنون كصرخة، وبالظل كأثر مقاوم للنسيان.
وإذا كان التمثيل، كما صاغه ستيوارت هول، ليس انعكاسا مباشرا للواقع بل ممارسة إنتاجية تعيد صياغة العالم داخل الخطاب، فإن جنون الظل يقدّم نموذجا لهذه الممارسة: إعادة تشكيل المدينة والذات عبر اللغة والصورة والرمز، حيث الأثر والغياب والاغتراب يصوغون هوية جريحة ومتشظية.
بهذا المعنى فإن العرائش في شعر محمد مرزاق لا تقدم كمدينة واقعية فقط، بل كمدينة جريحة تعاد صياغتها شعريا عبر الأثر والغياب، عبر جمالية المكان والاغتراب، وعبر الهوية والذاكرة. لا تنقل النصوص المدينة كما هي، بل تعيد تشكيلها ككائن شعري وفلسفي، حيث تتداخل التجربة اليومية، البيت الداخلي للخيال، والهوية المتشظية.
المدينة الجريحة: تمثيلات الانكسار والخذلان
في قصائد *هبوب الظل*، تستحضر العرائش بوصفها مدينة جريحة، أنثى رمزية تتقلب بين الحب والموت، بين البحر والخذلان. تكتب المدينة بوصفها جسدا منكسرا، حيث تتكثف الصور الجسدية والأنثوية: *"شباكهم عذارى تغربل اليم في شحوب"، "عشتار في جزر الدم والمحار / صدئ رحمها في المدينة"، "والبحر من ورائهن ينفث الحلم ، اللهيب ، والرعود..عشتار تجتث الرحم، تلطم عفن المدينة*. المدينة الثكلى الموصدة الأبواب. وفي قصيدة *جنازة*، يتقاطع جرح العرائش مع جرح بغداد، حيث يهدم مسرح إسبانيا كما يقصف ملجأ العامرية، مما يجعل المدينة مسرحا للخذلان، ولانهيار الجمال: *"كيف يُستباح الشاعران في حضرة السلطان؟"، "اختنق العود والقانون على مقام الأصبهان"*.
لكن هذا الجرح يتجلى أيضا في نصوص لاحقة مثل *باب البحر*: "هذا دمي يسفك باردا على هامش الحي القديم، والنوارس الهجينة ترثي اغترابي...". هنا، الجرح ليس استعارة، بل أثر أنطولوجي يتركه الغياب على جسد المدينة والذات معا، حيث الدم يُراق على تخوم الحي القديم، والاغتراب يتجلى كحالة وجودية مستعصية
الذاكرة كزمن مقاوم
لا تحضر العرائش في الديوان بوصفها ضحية فقط، بل يقدمها الشاعر كذاكرة مقاومة. لذا تستدعي القصائد المدينة لا كمكان، بل كزمن حي، حيث تتقاطع الطفولة، الحي، المسرح، والجرح القومي. ففي *القبيبات* حيه القديم يستغيث شعريا: "مدي يدك، واغسلي أكفاني البالية، دثريني من صقيع الهاوية"، "ازرعيني في يمك حنطة أو حبّات مرجانية" كما في قصيدة *عَراريس* حيث : "صهيل السين آت من ساحات ليزانفاليد"، "يرتدي قلنسوة الضوء إماما في محراب الماء" في تكثيف زمني متوهم يرى فيه رفرفة القمر من نافذة عينيها على ساحة التحرير قلب المدينة الجريحة . الزمن في هذه النصوص متذبذب، تتداخل فيه لحظة الكتابة بالألم مع لحظة التذكر والاسترجاع، مما يجعل العرائش مدينة زمنية بامتياز، تكتب شعريا لتستعاد ولو رمزيا ضدا في النسيان.
بل تتحول الذاكرة في *يمتد السؤال بحرا في عينيك*، إلى سؤال وجودي: "وطني عواصف وثلوج وظلام غاسق يكسر الضلوع...". ذاكرة ليست مجرد استدعاء للماضي فقط، بل مواجهة مع العنف والخذلان ؛ حيث المطر المنحبس في جوف العاصفة يصبح استعارة للانكسار الجمعي، والمدينة تكتب كزمن مقاوم لسياسة المحو.
الظل كجغرافيا وجودية
إن الظل، عنوان الباب، ليس مجرد استعارة بل مفتاح تأويلي لفهم أنطولوجي لواقع مر. إنه ما يتبقى من المدينة بعد خيانتها، بعد انطفاء النور وانهيار الجمال. في رقصة العرائش: "تهوم الريح في الدروب، ". وفي *باب البحر*: *"أراني مدرجا بالنسيان، وألوان الدم قد هاجرت وجهي منذ الصبا...". الظل هنا هو أثر الغياب، جغرافيا وجودية تكتب بالجراح، بالفقد، وبالقصائد، مما يجعل الشعر فعلا أنطولوجيا بقدر ما يعيد تشكيل المدينة، يعيد تشكيل الذات أيضا ويمنحها شرعية الاستمرارية والمقاومة.
الذات المصلوبة داخل المدينة
لا تقف الذات الشعرية خارج المدينة، بل تنصهر فيها، تصاب بما تصاب به، وتكتب من داخل جرحها. فمن نافذة عينيها على ساحة التحرير، من قلب مدينته "ها أنذا مصلوب على جدار ذاكرة مهترئة، فكل المدينة ، صدى نباح مجهد، خافت يطل علينا، من ثقوب الزمان". وفي *باب البحر*: "أنا هنا... على ناصية الصدر الأعظم، تكسوني مناحاتي...". مما يجعل من المدينة ليست مجرد موضوع شعري، بل امتدادا للذات، ومرآة لانكساراتها، مما يجعل الكتابة كما أكدنا سابقا فعلا وجوديا و حيث الأثر والغياب يتداخلان في جسد الشاعر والمدينة معا.
الانفعال الشعري واللغة الجسدية
في ظل الجنون نتلمس لغة مشحونة بانفعال داخلي يتراوح بين الحداد، الاحتجاج، الحنين، والانكسار. ففي جنازة: "يغرزه في نخاعها، في كبدها، في الوريد". في القبيبات: "ازرعيني في يمك حنطة أو حبّات مرجانية". وفي عَراريس: "يرتدي قلنسوة الضوء إمامًا في محراب الماء". وفي *يمتد السؤال بحرا في عينيك*: "أشباه الرجال المواخير يرقصون مؤخراتهم كجثة عفنة...". هذا الانفعال لا يُعبّر عن حالة شعورية فقط، بل عن موقف وجودي من العالم، حيث اللغة نفسها تتحول إلى جسد ينزف.
المعجم الشعري: حقول الأثر والغياب والاغتراب
يتكثف المعجم الشعري في حقول دلالية تكشف عن البنية النفسية والرمزية للقصائد:
- الأثر والجرح: دم، نخاع، كبد، أكفان، ملامح تقددها المناشر.
- الماء والبحر: اليم، المحار، المطر المنحبس، المركب الحزين.
- الأسطورة والرموز: عشتار، لوكوس، العروش. هسبريديس, فينوس
- الزمن والغياب: الغسق، الرياء، النسيان، الظلام الغاسق.
- الاغتراب والهوية: اغتراب الحي القديم، وطن العواصف، هوية متشظية بين بغداد وباريس والعرائش.
هذه الحقول لا تستخدم زخرفيا، بل تعيد تشكيل المدينة ككائن حي، يتنفس ويتألم ويتذكر، حيث الأثر والغياب والاغتراب يتداخلون ليصوغوا هوية المدينة الجريحة في علاقتها التاريخية مع مدن من الشرق والغرب.
وإذا كان المعجم الشعري يكشف عن الحقول الدلالية للأثر والغياب والاغتراب، فإن جماليات النصوص تتجلى في قدرتها على تحويل هذه الحقول إلى صور مدهشة وإيقاعات آسرة. فالتكرار الصوتي المستخدم كثيرا في الديوان يمنح القصائد موسيقى داخلية تُرسّخ حضور المدينة في الذاكرة السمعية، فيما الصور الشعرية تدهش القارئ بقدرتها على صياغة الألم في لغة حسية نابضة. كما أن المزج بين الأسطورة والواقع (عشتار، فينوس، هسبريديس) يفتح النصوص على أفق رمزي يضيء المدينة الجريحة بوهج أسطوري، بينما الانفعال اللغوي يجعل النص جسدا حيا يجرح ويدهش في آن واحد. بهذا، فإن الجانب الجمالي في شعر محمد مرزاق يكمن في تحويل الندوب إلى صور شعرية تُمتع وتُثير الدهشة كما تحفز على التأمل والسؤال.
إن هذا التصور الشعري للعرائش للشاعر الدكتور محمد مرزاق يضعها في حوار فلسفي عميق مع الأنطولوجيا الجمالية للمدينة.
فإذا كانت المدينة عتد هنري لوفيفر فضاء للعيش اليومي، حيث تتشكل الذات عبر الأزقة والحي والمسرح. ففي نصوص الدكتور محمد مرزاق ، تُكتب مدينة العرائش من داخل هذه التجربة اليومية: باب البحر والصدر الأعظم والقبيبات... ليست مجرد أسماء، بل فضاءات يومية تُنزف فيها الذاكرة، حيث الدم يُسفك على هامش الحي القديم، وحيث الاغتراب يُكتب كندبة وجودية. إن حضور هذه الأمكنة الصغيرة ، العظيمة تاريخيا وثقافيا ، يكشف أن بالشعر يمكن أن يعاد للمدينة حقها في أن تكون فضاء للعيش الكريم، حتى حين تُهدم مسارحها وتُختطف ذاكرتها وأن تعاد كقلعة مقاومة تاريخية ضد كل أشكال الأطماع الإيبيرية وكحلقة أساسية في مواجهة الاستعمار والاستبداد وكممانعة آنية لاسترداد الحق في أن تكون منارة ثقافية سياحية واقتصادية داخل الجهة.
وإذا كان المكان عند غاستون باشلار البيت الداخلي للخيال والذاكرة. ففي *هبوب الظل*، تُستعاد العرائش أيضا عبر صور الماء والضوء والشرفات والحدائق كما تختزنها الذاكرة: "شرفة الأطلسي، يناغي الحلمية والخليل". وفي *باب البحر*: *"المساء الخليلي لا تقرع طبول الرحيل قبل أن يبرعم الربيع من نزيف وجعي". المكان هنا جميل لأنه جريح، لأنه يُكتب كبيت داخلي للذات المجروحة المتألمة، كبيت متشظ يسكنه الاغتراب. جمالية المكان في هذه النصوص ليست في اكتماله، بل في ندوبه، في كونه أثرا حيا للذاكرة والخيال ومرآة للذات.
من الأكيد أن الهوية لا تُبنى دائما على النقاء، بل على التعدد والتشظي كما يرى إدوارد غليسان لذا نجد مدينة العرائش في نصوص الشاعر محمد مرزاق، تتقاطع فيها بغداد، باريس، الحسيمة ، لوكوس، والبحر، مما يجعلها هوية علائقية تُكتب عبر التعدد والانكسار. في *يمتد السؤال بحرا في عينيك*: *"وطني عواصف وثلوج وظلام غاسق يكسر الضلوع..."*. هنا، الوطن ليس وحدة صافية، بل تشظٍ بين العواصف والحنين، بين البحر والخذلان، مما يجعل الهوية علائقية، تُكتب عبر الغياب والاغتراب، وتُستعاد عبر الأثر الشعري.
تركيب ختامي
إن قصائد *هبوب الظل* من ديوان *جنون الظل*، ومعها *باب البحر* و*يمتد السؤال بحرا في عينيك*، لا تكتب مدينة العرائش، بل تعيد خلقها بوصفها كائنا شعرًا وفلسفيا، ينزف ويحتج عليه، ويستعاد عبر اللغة والذاكرة. الأثر والغياب يتداخلان ليصوغا حضورا مثخنا بالندوب؛ جمالية المكان تكتب عبر الاغتراب لا عبر الاكتمال؛ الهوية تستعاد كتشظ علائقي، لا كصفاء؛ والذاكرة تكتب كزمن مقاوم ضد النسيان. ذات الشاعر تنصهر بالمدينة، لتصبح الكتابة فعلا أنطولوجيا، حيث الشعر يُنزف لا ليدفن، بل ليقاوم المحو. هكذا، تُقرأ مدينة العرائش في شعرالدكتور محمد مرزاق كمدينة جريحة، كبيت داخلي للذات، وكأفق فلسفي يُعيد صياغة معنى المكان والهوية في زمن الانكسار.
جنون الظل : ديوان شعري للشاعر الدكتور محمد مرزاق، مكتبة سلمى الثقافية ، مطبعة الخليج العربي ، تطوان 2017
محمد مرزاق ، شاعر و ناقد من العرائش ، حاصل على الدكتورة في الأدب العربي، موسيقي أكاديمي وفاعل جمعوي، صدر له تفاعل أجناس الخطاب : رسالة الغفران نموذجا ـ وعد مقالات في العديد من المجلات والدوريات النقدي والشعرية ، تصدر له قريبا رواية زمن الخصي.






