سياسة واقتصاد

"يخ منو عيني فيه".. عندما يصبح إشراك المواطنين محل سخرية

ميمونة الحاج داهي

أثار إعلان حزب العدالة والتنمية عن إطلاق منصة إلكترونية لتلقي مقترحات المواطنين بشأن برنامجه الانتخابي موجة من التعليقات الساخرة، كان أبرزها التساؤل عن جدوى هذه المبادرة ما دام الحزب قد لا يفوز بالانتخابات، وحتى إن فاز فسيجد نفسه مضطراً إلى التحالف مع أحزاب أخرى وصياغة برنامج حكومي مختلف.


في الظاهر يبدو هذا الطرح منطقياً، لكن عند التمعن فيه نكتشف أنه يقود إلى نتيجة أكثر خطورة من انتقاد حزب بعينه؛ إذ ينتهي عملياً إلى التشكيك في جدوى المشاركة السياسية نفسها.


فالبرنامج الانتخابي في أي نظام تعددي ليس نصاً مقدساً يُطبَّق حرفياً من أوله إلى آخره، وإنما هو تعبير عن رؤية سياسية وأولويات واختيارات يعرضها الحزب على المواطنين. أما التحالفات فهي جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، لأنها تعكس تعدد الإرادات داخل المجتمع. ولو كانت إمكانية التحالف سبباً كافياً لإلغاء قيمة البرامج الانتخابية، لما كان لأي حزب في العالم مبرر لإعداد برنامج أصلاً.


والأغرب أن كثيرين يشتكون باستمرار من ضعف قنوات التواصل بين الأحزاب والمواطنين، ومن تحول العمل السياسي إلى نشاط نخبوي مغلق. لكن بعض هؤلاء أنفسهم يسارعون إلى السخرية كلما حاول حزب ما فتح نافذة للتفاعل أو طلب رأي المواطنين. وكأن المطلوب من الأحزاب أن تظل بعيدة عن الناس، ثم تُلام لاحقاً لأنها بعيدة عنهم.


طبعاً، من حق أي مواطن أن يشكك في صدقية المبادرة أو في قدرة الحزب على تحويل المقترحات إلى سياسات واقعية، بل إن هذا النقاش مطلوب ومفيد. لكن هناك فرقاً كبيراً بين مساءلة المبادرة وانتقادها، وبين اعتبار الاستماع إلى المواطنين عملاً عديم الجدوى من الأصل.


السياسة تفقد معناها عندما تتحول إلى وعود فارغة، لكنها تفقد معناها أيضاً عندما يتحول التشكيك إلى موقف يرفض كل محاولة للمشاركة قبل أن تبدأ. وعندما نصل إلى مرحلة السخرية من مجرد استشارة المواطنين، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بحزب معين، بل بعلاقتنا جميعاً بفكرة الديمقراطية نفسها.