أثارت موقعة منع دفن سيدة تنتمي لمنطقة أغبالو نكردوس بإقليم الرشيدية موجة واسعة من الاستغراب والجدل، بعدما تحول خلاف قبلي حول حضور النساء لمراسم الدفن إلى سبب مباشر في اعتراض موكب جنازتها، ليرتئي المشيعون إرجاع الجثمان المسجى إلى منزل الأسرة في خرق سافر لكل الأعراف والأديان وحقوق الإنسان.
وتعود أسباب الفاجعة حسب مصادر مطلعة، إلى اختلاف في العادات بين قبيلتين، الأولى وهي قبيلة السيدة المتوفاة التي تتمسك بحق النساء في مرافقة الجنازة وزيارة المقابر، بينما تعتبر القبيلة الأخرى أن حضور النساء يرتبط بمعتقدات مرتبطة بالسحر والشعوذة، ولذلك ترفض وجودهن بشكل مطلق داخل المقبرة، هذا الخلاف الذي تجاوز حدود الاختلاف الثقافي ليتحول إلى ممارسة تمس حق الإنسان في الدفن وحق الأسرة في توديع فقيدتها بكرامة واحترام.
هذه الواقعة التي عرت سلطة العرف الغاشمة، التي تحولت إلى سلطة فوق الإنسان وفوق القيم الدينية والقانونية، فحين يصبح العرف سببا مباشرا ووحيدا في تعطيل دفن ميت، فإنه يفقد وظيفته الاجتماعية ويتحول إلى أداة للهيمنة الذكورية والإقصاء المبني على النوع الاجتماعي، كما أن ربط النساء بالشعوذة والخوف من “النجاسة الرمزية” يعكس استمرار بعض التصورات التقليدية التي تُحمل المرأة مسؤولية كل ما يعتبر تهديداً للنظام الاجتماعي، وهو ما يكرس التمييز بدل المساواة التي ينص عليها دستوؤ 2011.
تعري هذه الكارثة كذلك، مسألة بالغة الحساسية مرتبطة بضعف الوعي بأهمية التعايش مع الاختلاف، فالمجتمع المغربي لطالما ظل متوازنا وفق صورة له تعكس تنوع عاداته دون اللجوء إلى العنف الرمزي أو فرض رأي جماعة على أخرى، إذ كان من الممكن معالجة الخلاف بالحوار والتفاهم بدل الوصول إلى مشهد صادم يهتز له الضمير الإنساني، حيث يبقى الجثمان معلقا بين البيت والمقبرة بسبب صراع حول الطقوس، وموضوعا على الأرض ينتظر صافرة السماح له بالطمر تحت باطن الأرض.
كما تطرح الحادثة سؤالا محوريا مؤداه: ما دور الدولة والمؤسسات الدينية والتربوية في مواجهة بعض الممارسات التي تتعارض مع قيم الدين نفسه.ط؟ فالإسلام المغربي كرم الإنسان حيا وميتا، وجعل احترام الجنائز من مظاهر الرحمة والتضامن، ولم يجعل من الأعراف القبلية سببا أبدا لتعطيل دفن الموتى أو إذلال أسرهم. لذلك فإن الصمت أمام مثل هذه السلوكات يساهم في استمرارها وانتقالها من جيل إلى آخر.
إن مأساة الرشيدية، تؤشر على استمرار صراع خفي بين العقل التقليدي والعقل الحقوقي داخل المجتمع المغربي، فبينما يسعى المغرب إلى ترسيخ قيم الحداثة والمساواة وتطبيق روح الدستور ، لا تزال بعض المناطق القروية والجبلية خاضعة لمنطق القبيلة والأعراف الصارمة التي تضع الجماعة فوق الفرد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نشر ثقافة الحوار والتوعية بحقوق الإنسان، مع احترام تام لكل الخصوصيات الثقافية دون السماح لها بأن تتحول إلى مبرر للمساس بكرامة الإنسان.
أخيرا وليس آخرا، تبقى كرامة الإنسان أسمى من أي عرف أو خلاف اجتماعي، والموت ما هو إلا لحظة إنسانية خاشعة تتطلب الرحمة والتسامح، لا الصراع والإقصاء، وأن مجتمع الذي يمنع دفن موتاه بسبب الاختلاف حول الطقوس، هو مجتمع مدعو إلى مراجعة أولوياته وقيمه قبل أي شيء آخر.






