حين تصبح مصطلحات سوقية من قبيل “الشناقة” و”الفراقشية” مادةً للنقاش تحت قبة البرلمان، وتتردد على أمواج الإعلام الرسمي، فذلك يطرح سؤالاً أعمق من مجرد استعمال ألفاظ شعبية: هل نحن أمام تبسيط للخطاب السياسي حتى يفهمه المواطن، أم أمام انحدار في مستوى اللغة السياسية نفسها؟ السياسة في الأصل ليست فقط صراع مصالح، بل أيضاً لغة ورموز وأسلوب مخاطبة. وحين تنزل اللغة من مستوى المفاهيم والمؤسسات إلى قاموس السوق اليومي، فهذا يعكس شيئاً من التحول الذي أصاب الممارسة السياسية ذاتها. لأن اللغة ليست بريئة، بل مرآة للواقع. فإذا كانت الحياة السياسية مليئة بالسماسرة والوسطاء والانتهازيين، فمن الطبيعي أن تفرز معجمها الخاص. لكن الخطير ليس في الكلمة بحد ذاتها، فاللهجة الشعبية جزء من هوية المجتمع، بل في كون البرلمان والإعلام الرسمي أصبحا أحياناً أقرب إلى “حلقة” لتبادل النعوت الشعبوية بدل إنتاج خطاب سياسي رصين يناقش البرامج والحلول. وكأن السياسة لم تعد تنافساً بين مشاريع، بل مباراة في من يطلق الوصف الأكثر إثارة وضجيجاً.
قد يقول البعض إن هذا “تطور” لأن السياسي صار يتحدث بلغة يفهمها الشارع، لكن الحقيقة أن الفرق كبير بين تبسيط الخطاب وبين تسويقه بمنطق الفرجة. فحين تتحول المؤسسة التشريعية إلى فضاء للمصطلحات السوقية، فإننا لا نقرّب السياسة من المواطن بقدر ما نقرّبها من منطق الشعبوية والانفعال. ربما المشكلة ليست في كلمة “شناق” أو “فراقشي”، بل في واقع سياسي جعل المواطن يشعر أن هذه الأوصاف أصبحت أصدق من كثير من الشعارات الرسمية. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين تنتصر اللغة الساخرة على اللغة السياسية، لأن الواقع نفسه صار أكثر سخرية من كل القواميس.






