أولا أريد أن أشكر جمعية أمال المنصور للتضامن والتنمية وجمعية المبادرة لحي يعقوب المنصور واللجنة المنظمة لهذا الوفاء لأحد رواد الضحك الشعبي بالمغرب.
لماذا الضحك الشعبي ونعته بلفظة " شعبي " لأن حيزه المكاني ومدته الزمنية تدخل في إطار الدينامية والحركة التي تميز الأحياء الشعبية وكمثال عليها حي يعقوب المنصور
هذا النوع من الضحك يتميز بل يستمد قوته من معايير مجتمعية لحكم أخلاقي على بعض السلوكات من خلال الهزل والتي يتم من خلالها شخصنة الطَّمُوحْ والمتحذلق والمنافق والثرثا والبخيل والكاذب، وإلخ. وهي كلها صفات تجد مقابلاتها في الدارجة من خلال " المسمار" ، "الجيعان" ، "العايق" ، "القاري" ،" الدرويش" ،" ولد باب الله" ...
سؤال الانطلاق :
هل يمكن أن نتصور حيا شعبيا دون "فكاهي" متجذر في الحي؟؟؟
في هذه المداخلة أريد أن أتشارك معكم بعض الأفكار حول "لقرع" الشخصية
الفكاهية وليس السيد ياسين الركراكي الحمري ، أحد ساكنة حي يعقوب
المنصور
حسب المعلومات المتوفرة على شبكة الانترنيت : دخل لقرع عالم الفن من
بوّابة “الحلْقة” منذ عام 1948 في مدينة مراكش =
بدأ مساره من خلال مرافقته “الرّْما”، في رحلات صيد تمتد من خمسة أيام إلى أسبوع؛
"لقرع" أو "القيرع" = رببرتوار يمزج بين الفرجة والضحك والحكايات .
ويضاف إلى رصيده الفني المهدد بالانقراض عدة شواهد وميدالية
إشارة إلى موقع الحلقة :
سوق الغزل
ساحة الشريج المقابلة لدوار الكورة بجانب محطة كار دكالة
بمدينة الرباط
باقي أحياء مدينة الرباط ( العكاري ...)
تمارة
الصخيرات
مكناس. وفاس وجدة مراكش
لهذا هناك استنتاج مفاده هو أن الارتباط بالمكان يفضي إلى الشعور بالانتماء : فارتباط "لقرع " بحي يعقوب المنصور جعله أيقونة من أيقونات حي يعقوب المنصور وصار عنصرا من عناصر سردية حي يعقوب المنصور.
هذه السردية المتفردة " سردية لقرع" ترتبط ارتباطا وثيقا بمنظومة مجتمعية
هي منظومة الضحك.
يُعد الضحك حاجة إنسانية أساسية، فهو ليس مجرد تعبير عن الفرح، بل ملاذ نفسي وضرورة بيولوجية لتخفيف التوتر، ومقاومة ضغوط الحياة لكن ما يهمني وما أريد أن أركز عليه هو دور الضحك في تعزيز الروابط الاجتماعية
من هذه الزاوية هل يمكن اعتبار شخصية "لقرع" عنصر من عناصر هوية حي
يعقوب المنصور؟
هل يمكن اعتبار الحاجة إلى الضحك حاجة مجتمعية تتجاوز الحياة العفوية
لتصبح شأنا من شؤون السياسة العمومية ؟
في هذا الباب هناك عدة منطلقات منها لا للحصر :
أن الإنسان حيوان ضاحك
أن الضحك هو من مقومات النقد المجتمعي
أن الضحك أساس من أسس المعنى الاجتماعي
"المجتمع الذي يُقصي النقد، يُقصي مستقبله." برهان غليون
فإقصاء الضحك هو إقصاء للفكر النقدي
في هذا الصدد يمكن أن نحيل على كتاب للفيلسوف الفرنسي هنري برغسون
"الضحك : محاولة في دلالة الهزلي" Le rire. Essai sur la signification du comique الذي تم نشره سنة 1900
و ينتمي كتاب "الضحك" إلى الكتب الفلسفية. = فلسفة الضحك’ لبرغسون
= لا شيء هزليا خارج ما هو بشري
إن "الضحك الذي يتسبب فيه على الدوام أمر إنساني ما له بالتأكيد وظيفة
اجتماعية"،
فبرغسون يقول لنا هنا إن "المرء لا يضحك في حقيقة الأمر إلا بالتواطؤ مع
الآخر"،
التواطؤ يقوي الانتماء وينظم الرموز الاجتماعية التي تربط بين العيوب والفضائل
لهذا وفي حق المحتفى به سي ياسين الركراكي : لفظة "لقرع" هي تواطؤ مجتمعي يحيل على" شخص الفكاهي" في سياق زمني وحيز مكاني هو حي يعقوب المنصور.
وهذا التواطؤ كان يحيطه " لقرع" بمعايير مجتمعية كانت غالبيتها موجهة
نحو نخبة معينة من خلال متلازمة : "كلامي مع ماليه والفاهم يفهم" و "
"دوق لكلام أصاحبي"
لهذا يظل السؤال الجوهري هو : هل نضحك فقط إزاء العيوب؟
ومن هنا نكتشف قيمة متن "لقرع" وما كان يقدم انطلاقا من أن الضحك يحيل على نوع من السلوك الاجتماعي الذي من خلاله يتم التنبيه للحس السليم، وكذلك التداول حول الذين ينحرفون عن النشاط الاجتماعي المستقيم .
من أجل الوصول لهذا الحس السليم كان لقرع يوظف عدة مكونات للضحك الشعبي تجسدها :
الشخضيات المضحكة،
الحركات المضحكة،
المواقف والمعجم اللغوي
السمات المضحكة (الكاراكتيرات).
فالضحك من خلال متون "لقرع" ليس مجرد انفعال عابر، بل آلية دفاعية
وثقافية تحفظ للإنسان إنسانيته في مواجهة الجمود ، وتعيد التوازن بين الفرد
والجماعة.
كما أن علاقة الضحك باللغة تشير إلى أن الفكاهة تُولد من الانزياحات الدلالية،
ومن المفارقات التي تسمح بقراءة الشيء الواحد في اتجاهين مختلفين.
الضحك بالنسبة ل "لقرع" ليس فعلًا فرديًا خالصًا، بل هو دائمًا ضحك
جماعي، يتطلب مشاركة اجتماعية، ويعبر عن حس جماعي من خلال الفضاء
المفتوح الذي تبناه " لقرع" في ساحة حي الشريج .
لهذا فوظيفة الضحك عند لقرع هي وظيفة اجتماعية بالأساس: إنه أداة
تصحيح وتربية وتنشئةيستخدمها المجتمع للحفاظ على حيويته وديناميته.
من هذه الزاوية يشكل الدخول للعهد الرقمي وهو عهد التباعد الفيزيائي تهديدا للضحك في صيغته "الشعبية" = الضحك يحررنا من خطر الاستلاب، ويعيدنا إلى مرونة الحياة التي لا تُختزل في مجرد خوارزميات وأن الحياة الحقيقية تكمن في المرونة والابتكار، لا في الانغلاق أو التكرار الميكانيكي.
في هذا السياق تبدو الحاجة إلى الضحك الشعبي حاجة ملحة لا سيما في البحث عن معنى للضحك الذي يجعلنا نفهم معنى الجد =
الضحك من خلال متن وحكايات وقفشات "لقرع" هو تساؤل عن معنى الحياة.
وانطلاقا من أن الأصالة الهزلية للقرع تنبثق عن الحياة الواقعية،
فماذا يوجد في عمق الشيء المضحك ؟
ماذا يوجد من مشترك بين تكشيرة المهرج، والتلاعب بالكلام، وغمز المسرح
الهزلي، ومشهد الكوميدية الذكية ؟
فالضحك من هذه الزاوية هو إحساس في معناه المؤثر والمثير للعواطف = كطارسيس = تداوي داخلي . كما نقول بعد نهاية حلقة لقرع = " فاجاها عليا لقرع" = كأنه مختص في الطب الباطني
مع مفارقة بارزة هي أن السردية الشعبية تصف كثير الضحك "ببارد الكلب"
أي لا يبالي لشيء.
وفي ذلك "فلسفة مضادة" = "غير كيضحك معندو سوق" – "غير ضحك وخليها على ربي"
لهذا فالضحك هو كذلك من علامات الذكاء الجمعي = الذكاء المشترك = ذكاء
يحكمه سياق ترابي
الضحك هو اجتماعي جماعي وليس أدبي فني فردي = لأن بعض النكت الآتية
من مجتمعات أخرى لا تجد تفاعلا في المجتمع المغربي.
ولأن الضحك عنصر من العناصر الطبيعية للبيئة المجتمعية : النكتة المضحكة
في دكالة ليست كذلك في فاس أو وجدة أو السمارة أو الراشيدية أو مراكش
لهذا فمنظومة الضحك التي اقترحها " لقرع" على مرور عدة أجيال ما يناهز 60
سنة تظل منظومة متجذرة في "حي يعقوب المنصور" تستمد روحها من تراب
جماعة يعقوب المنصور
يمكن إضافة أن "لقرع " لا يقلد = له أسلوبه الخاص موسيقاه الخاصة وآلته
الفريدة ونبرته ومتنه وعباراته المتفردة مما يجعل منه فكاهيا ترابيا أكثر منه
وطنيا
لكن ترابيته هي التي منحته صفة أن يكون رائدا من رواد "الضحك الشعبي
المغربي" بالنظر إلى ريبرتواره الخطابي والفكاهي.
نحن أمام إشكالية ترابية الضحك = Territorialité du rire
جمالية الضحك عند "لقرع" تنبع من كونها كذلك مصدر لتقديم المواعظ
الأخلاقية = فهي تتساوى مع التنشئة المجتمعية والتربية على الحس المواطناتي
وهذا يمكن أن نستشفه من فلسفته:
“أنا معنديش كلام العيب ولكن عندي كلام الحياة. الكلام اللي بغيتيه كاين من عند الله. عطيت كلام فيه معنى للشباب، فيه معنى للزواج والحياة والصّْحبة. الناس كيجيو عندي كيديو الكلام، وكنفيّقهم باش ميبقاوش غافلين”
= هذه الفلسفة تتداخل فيها المعايير المجتمعية ( الإتيكيت) وكذلك قيم التنشئة والرابط الاجتماعي ( الكرم – الحفاوة – حسن السلوك- الكلام الجميل – المعروف ...) وهذه الفلسفة تنعكس في متن حلقته .
ملاحظة :
لقرع هو شخصية فنية فريدة، إذا ابتعدت عن محيطها وفضائها وتم استدراجها لفضاءات مغلقة ( استوديو ، إذاعة ، قاعة أفراح...) شعرت بنوع من " الاختناق" و "الحرج" لأن لقرع" لا يمكن أن يكون لقرع إلا في فضاء مفتوح تجسده الحلقة داخل الأحياء والأسواق والساحات الشعبية.
في هذا الخضم يمكن أن نميز بين "لقرع بيو" وهو الذي نتابعه في فضاء مفتوح،
الحلقة و"لقرع مصنع" الذي يمكن أن نشاهده في التلفزة أو استوديو ... والذي
يخسر جاذبيته وصلاحيته " كيولي بيريمي"
كانت الحلقة بحسب الفنان ياسين الركراكي في حوار مع موقع هسبريس تعرف حسا مدنيا منقطع النظير حيث كان المتفرجون يقومون من تلقاء أنفسهم بتنظيم المكان ، وقد أفاد كذلك أن الحلقة كانت علامة وموقعا مجتمعيا حيث كان الناس يضربون مواعدهم قرب الحلقة أو صاحب الحلقة ، "نتلقاو حدا لقرع" ، "نتلقاو عند لقرع"، " نتلقاو فين كانت الحلقة ديال لقرع"
من هنا تظهر شرعية تسمية المكان أي مكان التي كان يحتضن حلقة لقرع
باسم "ساحة لقرع" لشرعيتها المكانية والتاريخية والمجتمعية والرمزية.
في هذه الساحة كان لقرع يبدع بمتونه في الضحك الشعبي ومنها :
"يمشي الجمال ويبقى العمل " = فكرة تعميق العيش المشترك أو ما نطلق عليه عامة "الصواب "
"لخزانة ما مكادة مع لكيتون " = هناك أشياء لها نفس الوظيفة المجتمعية لكن اختلافها مصدره رمزيتها وتجدرها في الثقافة المحلية "لخزانة عنوان الكرم والرفاه الاجتماعي"
"الهيشر ما يدير جمر" = طبيعة الإنسان وأصله يحددان سلوكاته وأثره على محيطه .
"اركب على الهم وتبرع وزيد لكدام" = فكرة صارت تورج كثيرا من خلال عبارة " التغافل" بمعنى عدم الاكتراث لتجنب المشاكل النفسية والتشنج المجتمعي
حكاية السبع والغزالة والنسر والحمار = تعرف طير؟ كاليه "لا": " واج داك لفضول" "لحلاوة ديالها : "سير على قياسك"
"لي نهاك بغاك " ، لي وراك طريق بحال الى مشا معاك" ، ولي سلفك في الحزة ألحبيب بحال الى عطاك" = مقومات العيش المشترك والتماسك الاجتماعي وكذلك التضامن الاجتماعي ( ملامح الكوتشينغ الذي صار الآن موضة...)
خبزة خسرت العز = 500 خبزة و بكرة بمليون وقنطار ديال الدجاج : واحد خينا هز خبزة من العرس ، شافو مول العرس كاليه حط الخبزة فين غادي بها ، خبار الخبرة تسمعت ف بني ملال و500 خبزة شكون لي صاق ليها لخبار، بن الجيعان لاخور "معزز الخبزة"، "ميك على الخبزة يابن الجيعان خليها غادا مع الخبز حسبها على العز."
"ما يعرف بحق الزين غير لي كاسبو ولا لي ساكن حداه، وما يعرف بحق الفن غير لي عايش في حماه" وهاد تعبير ينم عن تجربة معيشة وليس فقط كلاما منمقا يحترم الضرورة الشعرية = لقرع لا يعترف بالضرورة الشعرية .
" ما يكل الشوا غير لي مولفو ليه باه" " لغنم تيزينوها ولادها والغابة تيزينوها عوادها والقبيلة يزينوها جوادها، مالقيتيش جوادها خوي بلادها، وكرمة محضية حسن من جنان خارف، الصواب اخوتي تيغلب النسب ، " ملامح أنثربولوجية لثقافة جمعية تحيل على فكرة الذكاء الجماعي
" الزين أصل والجودة أصل والرجلة أصل" مصفوفة قيم مرتبطة بالفرس . "كاليه
فلان شرا عود كال ليه خوالو كانو ركابة" = الفروسية كثرات يحيل على تمغربيت.
الله يتليني من مورا عدويا غير نهار = قصة الحية والفأر والصياد والفارس = الفكرة هي أن لا تستسلم
“الزين كيهرّسو الفقر والرّجلة كيهرّسها قْلّة الشي”
كل هذه الفلسفة كان لقرع ينهيها بقفشات وحركاته المضحكة:
"لقرع" يسقط طاقيته و يعري على صلعته كخرجة مسرحية غير متوقعة باعتماد تعابير خارجة عن سياق موضوع الحلقة = "يحيا الحب يحيا الجمال، يسقط الحشرات ياحبيبي"
وعودة لتمثله لمشروع الضحك الشعبي وحين حل ضيفا على برنامج "عيوط
و مكاحل" ، سئل عن شهرته فقال إن اسمه ياسين الركراكي لكن اسم «لوزين"
هو "لقرع" ، وعندما سئل عن ما يحمل أي محفظته قال إنها " الديبو" =
فالحس النقدي حاضر بغزارة = نحن أمام عبقرية شعبية تُشَبِّهُ الحلقة
وصاحبها بمقاولة فنية ثقافية تراثية
وصية لقرع = تجميع المتن (حوار مع هسبريس بتاريخ 06 مارس 2023)
يؤرقه مصير الرصيد الهائل من الإرث الشفهي الذي تختزنه ذاكرته، إذا لم
يتم توثيقه في أقرب وقت قبل أن ينسحب شعاع الحياة.
في هذا السياق هناك بعض الاقتراحات لا بد من الإشارة إليها:
ربما هناك حاجة لمؤسسة تحت اسم "خزانة يعقوب المنصور" للحفاظ على ذاكرة الحي وكمتحف لها من خلال الاشتغال على تاريخ الحي والشخصيات التي كان مرورها لافتا في الحياة المجتمعية ليس فقط من خلال التكريم بل كذلك من خلال إصدار كتيبات ومؤلفات حول سيرهم الشخصية وإضافة أسمائهم لهوية المكان ( أسماء الأزقة والشوارع والساحات)
المرافعة المدنية من أجل إنجاح مشروع حفظ الذاكرة هو مشروع لاستعادة الهوية الرمزية لحي يعقوب المنصور : ( النوايل - إطلاق اسم ساحة لقرع على مكان الحلقة كرمزية للضحك الشعبي - ...
الترافع على هذا المشروع على أساس أن حاجيات سكان حي يعقوب المنصور لا ترتبط فقط بما هو حصريا حاجيات مادية صلبة ( مستشفى/ جامعة/ فرص شغل / مدرسة نموذجية ...) بل كذلك بحاجيات رمزية وناعمة ترتبط ارتباطا وثيقا بالذاكرة المشتركة ( البرامج الانتخابية) مثل تلك التي تجسدها شخصية لقرع.
الدعوة إلى تنظيم حلقة في ساحة الشاريج بحضور "لقرع" لإحياء إرث الضحك الشعبي وتوثيقها كشاهد على الذاكرة الرمزية لحي يعقوب المنصور بهدف تنبيه الأجيال الصاعدة إلى دور الحلقة في تمتين رابط الانتماء والهوية.






